المحافظون الجدد والاستراتيجية الأمريكية الجديدة
د. عماد فوزي شُعيبي
رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية بدمشق
تقوم هذه الدراسة على قناعة بأن ما حدث ويحدث يتجاوز الحالة السكونية لأنه يًشكل لحظتين الأولى : لحظة رؤيوية إيديولوجية تحول فيها تيار اليمين الجديد من تيار فلسفي إيديولوجي إلى فاعل سياسياً بعد أن انسجمت نزعته الثورية! كما سنرى معناها الخاص لديهم، مع نزعة تبشيرية للرئيس الأمريكي جورج بوش ، ولحظة سياسية اكتشف فيها الحزب الجمهوري في رؤيوية اليمين الجديد في مشروعه لقرن أمريكي خالص فرصة لرسم استراتيجية بديلة تطوي صفحة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لتحاول أن تُشكل النظام العالمي الجديد بطريقتها، وكان العراق ساحة عمليات هاتين اللحظتين.
)الخلفيات الاستراتيجية والفلسفية(
لكي نفهم أداء اليمين الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية، لا يجب أن نتورط بدمجه في الإدارة الأمريكية بقيادة جورج بوش بصورة إجمالية لا ترى التمايز بين وزنه كتيار منفرد ز بقية التيارات اليمينية التي تتألف منها تلك الإدارة ومنها: تيار المسيحيين الأصوليين ومنهم جون أشكروفت وزير العدل، وتيار(التمامية) البروتستانتية الآتي من الولايات الجنوبية، والتي منها يتفرع ما يسمى(الحزام التوراتي) وهو تيار متصاعد النفوذ في صفوف الجمهوريين و أصحابه يرتدون أزياءً مخططة بلون أزرق بترولي ينسجم مع تقاليد المتدينين في الجنوب الأمريكي، وهو التيار الأكثر دعماً لإسرائيل انسجاماً مع أوهام نصوصية تتأرجح حول عدم إمكانية عودة السيد المسيح إلا بتواجد اليهود في فلسطين، و هو التيار الصهيوني غير اليهودي.
إذاً، فالإدارة الأمريكية الحالية تضم ـ فعلياً ـ ثلاثة تيارات متمايزة وهي كلها محافظة:
· تيار اليمين الجديد.
· تيار المسيحيين الأصوليين.
· تيار التمامية البروتستانتية.
في التقييم العربي لهم ، كثيراً ما يتم الخلط بينهم بصورة غير دقيقة بوضع"البيض كله في سلة واحد"، وذلك بسبب ولاءهم المشترك تقريباً لإسرائيل. إلا أن هذا الولاء يتأرجح بين خيارات صهيوينة وإيديولوجية مباشرة لدى تيار اليمين الجديد(وبعض رموزه كان على صلة ـ ولا يزال ـ شديدة بالليكود)، وبين خيار إيديولوجي ديني لدى تيار التمامية البروتستانتية، وخيار مصلحي نفعي لأسباب انتخابية، وبتأثير لعبة الانتخابات لدى تيار المسيحيين الأصوليين.
ولعل(صدفة!) أن يجتمع حول الرئيس الأمريكي جورج بوش هذا العدد المتنوع من التيارات اليمينية، هو الذي يفسر طبيعة الإدارة الأمريكية العدوانية، واللاسياسية أحياناً.
والواقع أن حكم الرئيس جورج بوش هو الحكم الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية الذي جمع هذه التيارات معاً، الأمر الذي يكسب إدارته متانة في جلّ التيارات اليمينية المتنوعة.
إلا أن هذه التوليفة لم تكن إعجازاً حقيقياً من جورج بوش، لأنها بالأصل متلاقية على الحدّ الأعلى:
فبين تيار اليمين الجديد وتيار التمامية البروتستانتيّة ثمة قاسم مشترك وهو دعم إسرائيل(كلٌّ لأسبابه)، وبين تيار اليمين الجديد وتيار المسيحيين الأصوليين هنالك إجماع على مسألة ضرورة حقن المجتمع الأمريكي بالقيم المسيحية، وأيضاً كلٌّ لأسبابه؛ إذ بينما يأتي هذا التوجه أصيلاً عند تيار المسيحيين، فإنه يتضح باعتباره براغماتياً(أصيلاً!) لدى اليمين الجديد بالنظر إلى أنهم علمانيون!؛ إلا أن ذريعتهم في ذلك تتمثل في أن الدين هو الوسيلة الوحيدة لملء الفراغ لدى الجمهور الواسع بما يساعد على فرض النظام.
الهدف الأهم هنا هو، حسب العلماني اليهودي ليو شتراوس؛ الذي يمثل الخلفية الفلسفية لتيار اليمين الجديد ـ كما سنرى لاحقاً ـ، أن العصرنة التي حدثت بسرعة، ولا تزال، في الولايات المتحدة الأمريكية تصيب المجتمع ـ ككل مجتمع معاصر ـ برفض للقيم الأخلاقية والفضيلة، مما يفقد النظام السياسي الأمريكي القيم الأساسية التي أرستها أوروبا في نظامها المعاصر والمتمثلة في العقل والحضارة، وبالتالي فهي تفتقد إلى أي مثل أعلى أو(خير أعلى) كمرجعية تضبط البشر وتحقق سواد النظام على أسس غير قهرية من الخارج،! إنما بانضباط شديد يتشكل عبر(الأنا الأعلى الجمعي) الأخلاقي عند هؤلاء البشر.
لهذا يركز التيار اليميني الجديد على أهمية تطبيق أفكار دينية ولكن من خلال المؤسسات وليس من خلال تطبيق أفكار الأباء المؤسسين، وهنا يفترق بشدة عن التيار الديني الأصولي لأن هدفه براغماتي. إذ يقول :" ليست الفضيلة الأخلاقية تطبيقاً عند الرجل الذكي حقاً، أو الفيلسوف. فالفضيلة الأخلاقية ليس لها وجود إلا في الرأي الشعبي حيث يكون هدفها السيطرة على غالبية الناس غير الأذكياء"، ويذكر بانغل أن الفلسفة عند شتراوس أثبتت بطلان العقيدة الدينية. ومع تواصل هذا الجدال العنيف قال بانغل إن شتراوس قد وصف تميز أمريكا بأنها "حديثة" وهذا الوصف عند أتباع شتراوس يعتبر أسوأ كلمات الشتيمة.
وهنا بالذات علينا أن نفهم بأن هذا التيار قد(ابتكر!) مفهوم(الحقيقة) بطريقة براغماتية فلسفية معاً؛ فهي(أي الحقيقة) قد ضاعت بسبب الليبرالية المفرطة وبسبب شيوع ما يدعوه شتراوس التيارين، النسبوي الذي يضيع كل حقيقة، ويحيل الأمور والأحكام إلى مواقف نسبية مائعة، وكذلك التيار التاريخي الذي يرفض الاعتراف بقيمة عليا في التاريخ تاركاً القيم لتُحال إلى ما تتكون به عبر المجتمعات وعبر التاريخ بحد ذاته.
ولهذا إذ أردنا أن نفهم عقلية تيار اليمين الجديد في الولايات المتحدة ، فإن علينا أن نراه باعتباره خياراً ثالثاً بين الليبرالية التي أقامت موقفاً متسامحاً إزاء أفكار الآخرين، وبالتالي إزاء الحقيقة، حيث لكل الناس حقيقته، وبين التاريخية التي تعتبر أن القيم متغيرة بتغير التجربة والتاريخ الخاص لكل المجتمعات.
لكن هذا لا يعني أن فلسفة اليمين الجديد في الولايات المتحدة لا تعطي أهمية قصوى للبعد الليبرالي، ولكن هذه الأهمية تتموضع في التوظيف السياسي له، وليس بالتوظيف الاجتماعي؛ فهم يريدون أن يكون العالم كله ليبرالياً ديموقراطياً في كل المؤسسات والنظم السياسية، لكنهم لا يريدون أية ليبرالية نسبوية في القيم الاجتماعية حيث أن الهدف هو ضبط المجتمعات أو المجموعات البشرية في المآل الأخير عبر منظومة من القيم الدينية التي يعززها(علمانيون!) لاعتبارات براغماتية محض.
والواقع أن هذا التعظيم الشديد للبعد الديني لهو تعظيم يجد مرتسمه الأبرز في ذلك التفاؤل الممزوج(بالخلاصية) المسيحية، مطبقة على السياسة؛ إذ أن هؤلاء اليمينيين الجدد يعتبرون أنفسهم مخلصين للبشرية! وأنهم ـ بصورة ضمنية ـ يؤدون رسالة السيد المسيح، ولكن على المستوى السياسي . ورغم علمانيتهم،إلا أنهم يستثمرون هذا البعد الخاص في المسيحية لتبرير نزعتهم للتسلط السياسي على العالم بأسره.
هذا النموذج من استخدام الدين علمانياً ولأسباب براغماتية، يتضمن رأياً يحتقر الشعوب أو المجموعات البشرية، ويرى ضرورة الوصاية عليها عبر قيم تزرع فيهم تساعد على ضبطهم وتهيئهم ـ عملياً ـ لقبول النزعات السياسية الأخرى التي تتحدث عن(خلاص) الناس والشعوب الأخرى ، وبالتالي تحمّل المعاناة عن الشعوب، بدفع الضرائب وتكبد الخسائر في البشر والمعدّات من أجل تنفيذ ما يمكن تسميته(شيوع النظام السياسي الأمريكي)؛ باعتبار أن القيم السياسية الأمريكية هي الأفضل وهي التي يجب أن تتعمم على العالم بأسره.!
وعلى هذا يرى شتراوس، الذي سنفيض في الحديث عن فلسفته وهو مرجع لتيار اليمين الجديد، أن الغالبية العظمى من الرجال والنساء، بعيدون كل البعد عن كونهم يملكون القدرة على مواجهة الحقيقة، فهذه القدرة تخص جنساً آخر غير الجنس البشري. وهؤلاء الناس ممن يسميهم نيتشة "القطيع" ويدعوهم أيضاً " العبيد" وهم بحاجة إلى رجال من لدن الله المهدد بالعقاب، والعقاب في الآخرة وإلى قصص أخلاقية عن الصواب والخطأ. وبدون هذه الأوهام يصاب الناس بالجنون وتعم فيهم حوادث الشغب وينهار النظام الاجتماعي، أي نظام اجتماعي. وحيث أن الطبيعة البشرية لا تتغير كما يقول شتراوس، فهذا الوضع سوف يستمر على حاله.
والرجال المتفوقون / الفلاسفة هم الذين يقدمون للقطيع كل ما يحتاجه من معتقدات دينية وأخلاقية وغيرها رغم أنهم يعرفون في قرارة أنفسهم أن هذه المعتقدات كلها أكاذيب. وكأنه يكرر ما يقوله نيتشة من أن هؤلاء الرجال المتفوقين "كهنة ملحدون" أما شتراوس فيدعي أن أكاذيبهم هي "أكاذيب نبيلة" وبالطبع فهم لا يفعلون ذلك حباً بالخير، ذلك أن نيتشة وشتراوس يهزؤون بالصدقات وحب الخير للجميع ويصفون هذه الأفعال بأنها غير جديرة بالآلهة أو بالرجال أشباه الآلهة. بل إن هؤلاء "الفلاسفة" يستخدمون هذه الأكاذيب ليصنعوا المجتمع وفق مصالح هؤلاء "الفلاسفة" أنفسهم.
والفلاسفة بحاجة لأصناف مختلفة من البشر لتخدمهم، ومنهم " السادة ،حيث يتلقى هؤلاء "السادة" تدريباً عقائدياً في التعليم "الخارجي للجمهور" أو التعليم العام. منهم من يدربون على الإيمان بالدين والأخلاق وحب الوطن والخدمات العامة،وبعضهم يدخلون في الحكومة. لنأخذ مثلاً على ذلك وزير التربية السابق ويليام بينيت وكتابه بعنوان " كتاب الفضائل". وبالطبع فهم يؤمنون،إلى جانب كل تلك الفضائل التقليدية "بالفلاسفة" الذين علموهم كل تلك الأشياء الخيّرة.
وهؤلاء "السادة" الذين يصبحون ساسة ورجال دولة، يستمرون بتلقي النصح من الفلاسفة. وحكم الفلاسفة من خلال رجالهم الذين دخلوا في الحكم هو ما يسميه شتراوس " المملكة السرية" للفلاسفة. والمملكة السرية هي الهدف الذي يسعى كثيرون من تلامذة شتراوس "الداخليين" لتحقيقه في حياتهم.
والرئز هنا هو إصرار شتراوس على وجوب إخفاء الحقيقة، عن الناس ؛لأن الحقيقة إن عرفت قد تدمر المجتمع والفلاسفة على حد سواء،و أفلاطون والفلاسفة القدامى، مثلهم في ذلك مثل شتراوس نفسه، كتبوا بنوع من الرموز لا يتكشف معناها الحقيقي إلاّ للحكماء. وإذا تصادف واطلع الغوغاء على هذه الكتب فلا يجدون فيها إلاّ الخرافات المألوفة حول الثواب للفضيلة والعقاب للرذيلة وما شابه ذلك.
ويقدم شتراوس مثالاً يأخذه من الفارابي وهو شخص آخر من المؤلفين "الذين يتحدثون للفئة القليلة"-حسب تعبيره- فيوضح كيف أن المرء قد يقول الحقيقة بكلمات معينة تكون غايتها الخداع فقط. وفي شروح لهذه الظاهرة تقول الباحثة دروري : إن" الناسك التقي معروف في المدينة لاستقامته وحشمته وورعه، ومعروف أيضاً بتقشفه وتواضعه وكبح الشهوات، لكنه لسبب ما أثار عداوة حاكم المدينة له فأمر باعتقاله، واتخذ كافة الإجراءات الكفيلة بعدم فراره من المدينةـ واستنفر جميع الحراس على أبواب المدينة. ورغم ذلك كله استطاع هذا الناسك أن يهرب من المدينة، فارتدى ملابس السكّيرين وغنى لحناً يتوافق مع الصنوج واقترب من أبواب المدينة ولما سأله الحراس من هو أجاب أنه الناسك المتعبد الذي يبحث عنه كل من في المدينة، لم يصدق الحراس قوله، فسمحوا له بالخروج". [دروري 1988, ص xi-x]. والهدف من هذا ميكيافيلي نُخبوي بالضرورة، ويقوم على خداع الناس لأنهم لا يفهمون ولا يجب أن يفهموا.
· "الجانب الثوري"
الجانب المحافظ من ذلك التيار المسمى باليمين الجديد في الولايات المتحدة تمثّل، كما أسلفنا، في الميل إلى ضبط المجتمع بمجموعة من القيم التي يشرف عليها علمانيون، إلا أن صفة اليمين المحافظ تنقلب فجأة إلى ثورية من نوع أقرب إلى الفاشية والفوضوية معاً.
فالمحافظون على قيم المجتمع لا يقبلون كل ما هو محافظ سياسياً، بل ويتمايزون عن طروحات التيارات المحافظة في أوروبا؛ فهم لا يريدون الدفاع عن نظام الأشياء بما هو قائم عليه وسائد، بل يريدون"تغيير العالم"! ليصبح متماهياً مع نموذج الحكم والحياة الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا ما يفسّر لماذا انطوت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي أعلنت في20 أيلول/ سبتمبر2002 على نص صريح يقول أن القيم الأمريكية السياسية قد باتت قيماً كونية ولهذا يجب أن تنتقل إلى المجتمعات والأنظمة السياسية.
السياسة عند هذا التيار ليست ديبلوماسية، بل إن الديبلوماسية تعطل قدرة السياسة الأمريكية على(تنميط) الآخرين بالقيم الديمقراطية، وبالتالي فهي(أي السياسية) أداة تغيير، الأمر الذي يُكسب هذا التيار الصفة الثورية التي تنتفض على الأوضاع الراهنة وعلى كل سكونية سياسية(ستاتيكو)، ولهذا فهم ،وفي بدايات تبلورهم في السبعينيات، كثيراً ما انتقدوا حالة الاسترخاء الدولي التي عرفتها الحرب الباردة، واعتبروها تكريساً لوضع الاتحاد السوفياتي اللاديمقراطي والتوتاليتاري والقمعي، وأنها قد عززت ـ عملياً ـ انتصاراته في المحافل الدولية، وكثيراً ما وجّهوا انتقادات لاذعة للديبلوماسية الواقعية التي رسمها ونفذّها هنري كسينجر.
السياسة الدولية هي مرتكز انتقاداتهم(الثورية)؛ فهي باعتبارها تستند إلى قواعد وآليات تُدخل في المساومة، تفقد المجتمع الدولي القدرة على المبادرة والاستباق، ولهذا فإن الأمم المتحدة تمارس فعلاً شبيهاً بفعل عصبة الأمم المتحدة عندما تفضل الحوار والمسايرة والاحتواء مع القوى العالمية التي تشكّل خطراً(مستقبلياً!) على السلم والاستقرار، الأمر الذي يستدعي الثورة عليها وعلى قواعدها وشرعتها عندما تصبح أضعف من أن تنتقل إلى(الفعل) المباشر الذي يدرأ عن العالم احتمالات بزوغ ونمو الطُغاة.
ولهذا فإن"سياسة الهرواة" هي الأسلوب الأساسي الذي يعتمده هذا التيار في العمل السياسي، وقناعتهم تتمثل هنا بأن السلبيات اللا أخلاقية كالطغيان وعصابات الشوارع والمخدرات والانهيارات المجتمعية… سرعان ما تتحول إلى ثقافة، وتسود، وبالتالي لابد من التصدي لها في العالم وفي الولايات المتحدة، وهنا يحدث اللقاء بين الميول الثورية لهذا التيار والميول المحافظة(الأخلاقية المبُسترة).
والملاحظ أن هذا التيار قد ضم عدداً من اليساريين السابقين كـ أيرفينغ كريستول ونورمن بودورتنر مؤسسيّ مجلة كومنتري، وفرانسيس فوكوياما صاحب كتاب"نهاية التاريخ" وهو ماركسي هيغلي يجيّر كلّ المفاهيم الأساسية لماركس وهيغل لصالح انتصار نهائي للرأسمالية وقيمها… الديمقراطية!.
وكذلك يمكن القول نفسه عن ألان بلوم المفكر المعروف في جامعة شيكاغو صاحب كتاب"انغلاق العقل الأمريكي" الذي يهاجم تحول اللا قيم إلى ثقافة، بل ويمارس ما يسمى احتقار الثقافة الغربية من داخل الحضارة الغربية نفسها، ويبتدع نظرية"الصحيح السياسي" وفيها ما فيها من الميل الشديد نحو فرض قيم، يدعوها صحيحة، على العالم بأسره وعلى السياسة بوجه خاص، وهو ما تبلور في السبعينيات كتيار ورثه في الثمانينيات مجموعة من الشبان المهووسين بهذه الأفكار كوليام كريستول وريتشارد بيرل ودوغلاس فيث وولفيتز واليوت ابراهامز… والذين سارعوا لتشكيل مراكز أبحاث مثل(أمريكان انترابرايزأنستيتيوت) و(هيودسون انستيتيوت) و(هريتاج فوندايشن) و هي ما شكلت( مجموعات التفكير) التي سيطرت على عدد من الدوريات ومراكز النشر كـ (ويكلي ماغازين) ومنشورات(ناشيونال ريفيو)و(كومنتاري) و(نيوريبابليك) ومجموعة موردوك المالكة لشبكة التلفزيون (فوكس) وبعض صفحات من(الوول ستريت جورنال) التي استطاعت عبر دخول اللعبة السياسية والاستثمارية في الولايات المتحدة الأمريكية أن تفرض إيقاعاً آخر للسياسية، بدأت نُذره الأولى مع عهد ريغان واستمرت في عهد بوش الأب وهي الآن تقطف ثمارها في عهد جورج بوش الابن.
هذا الميل الثوري في السياسية الخارجية يخرج الولايات المتحدة عن مفهوم العزلة السياسية الخارجية وسياسة عدم التدخل المباشر، وبالتالي فإن أول ما يطاله هو مبدأ ترومان في الردع والاحتواء، وهو يتناغم بشكل كبير مع سياسة التدخل الانتقائي التي طورها ريغان وسار علي






















