Yahoo!

المحافظون الجدد والاستراتيجية الأمريكية الجديدة

كتبها الدكتور عماد فوزي شعيبي ، في 1 آذار 2007 الساعة: 12:19 م

المحافظون الجدد والاستراتيجية الأمريكية الجديدة

د. عماد فوزي شُعيبي

رئيس مركز المعطيات والدراسات الاستراتيجية بدمشق

تقوم هذه الدراسة على قناعة بأن ما حدث  ويحدث يتجاوز  الحالة السكونية  لأنه يًشكل لحظتين الأولى : لحظة رؤيوية إيديولوجية تحول فيها تيار اليمين الجديد من تيار فلسفي إيديولوجي إلى فاعل سياسياً بعد أن انسجمت نزعته الثورية! كما سنرى معناها الخاص لديهم، مع نزعة تبشيرية للرئيس الأمريكي جورج بوش ، ولحظة سياسية اكتشف فيها الحزب الجمهوري في رؤيوية اليمين الجديد في مشروعه لقرن أمريكي خالص فرصة  لرسم استراتيجية بديلة تطوي صفحة ما بعد الحرب العالمية الثانية، لتحاول أن تُشكل النظام العالمي الجديد بطريقتها، وكان العراق ساحة عمليات هاتين اللحظتين.

)الخلفيات الاستراتيجية والفلسفية(

لكي نفهم أداء اليمين الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية، لا يجب أن نتورط بدمجه في الإدارة الأمريكية بقيادة جورج بوش بصورة إجمالية لا ترى التمايز بين وزنه كتيار منفرد ز بقية التيارات اليمينية التي تتألف منها تلك الإدارة ومنها: تيار المسيحيين الأصوليين ومنهم جون أشكروفت وزير العدل،  وتيار(التمامية) البروتستانتية الآتي من الولايات الجنوبية،  والتي منها يتفرع ما يسمى(الحزام التوراتي) وهو تيار متصاعد النفوذ في صفوف الجمهوريين و أصحابه يرتدون أزياءً مخططة بلون أزرق بترولي ينسجم مع تقاليد المتدينين في الجنوب الأمريكي، وهو التيار الأكثر دعماً لإسرائيل انسجاماً مع أوهام نصوصية تتأرجح حول عدم إمكانية عودة السيد المسيح إلا بتواجد اليهود في فلسطين، و هو التيار الصهيوني غير اليهودي.

إذاً، فالإدارة الأمريكية الحالية تضم ـ فعلياً ـ ثلاثة تيارات متمايزة وهي كلها محافظة:

·       تيار اليمين الجديد.

·       تيار المسيحيين الأصوليين.

·       تيار التمامية البروتستانتية.

في التقييم العربي لهم ، كثيراً ما يتم الخلط بينهم بصورة غير دقيقة بوضع"البيض كله في  سلة واحد"، وذلك بسبب ولاءهم المشترك تقريباً لإسرائيل. إلا أن هذا الولاء يتأرجح بين خيارات صهيوينة وإيديولوجية مباشرة لدى تيار اليمين الجديد(وبعض رموزه كان على صلة ـ ولا يزال ـ شديدة بالليكود)، وبين خيار إيديولوجي ديني لدى تيار التمامية البروتستانتية، وخيار مصلحي نفعي لأسباب انتخابية، وبتأثير لعبة الانتخابات لدى تيار المسيحيين الأصوليين.

ولعل(صدفة!) أن يجتمع حول الرئيس الأمريكي جورج بوش هذا العدد المتنوع من التيارات اليمينية، هو الذي يفسر طبيعة الإدارة الأمريكية العدوانية، واللاسياسية أحياناً.

 والواقع أن حكم الرئيس جورج بوش هو الحكم الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية الذي جمع هذه التيارات معاً، الأمر الذي يكسب إدارته متانة في جلّ التيارات اليمينية المتنوعة.

إلا أن هذه التوليفة لم تكن إعجازاً حقيقياً من جورج بوش، لأنها بالأصل متلاقية على الحدّ الأعلى:

 فبين تيار اليمين الجديد وتيار التمامية البروتستانتيّة ثمة قاسم مشترك وهو دعم إسرائيل(كلٌّ لأسبابه)، وبين تيار اليمين الجديد وتيار المسيحيين الأصوليين هنالك إجماع على مسألة ضرورة حقن المجتمع الأمريكي بالقيم المسيحية، وأيضاً كلٌّ لأسبابه؛ إذ بينما يأتي هذا التوجه أصيلاً عند تيار المسيحيين، فإنه يتضح باعتباره براغماتياً(أصيلاً!) لدى اليمين الجديد بالنظر إلى أنهم علمانيون!؛ إلا أن ذريعتهم في ذلك  تتمثل في أن الدين هو الوسيلة الوحيدة لملء الفراغ لدى الجمهور الواسع بما يساعد على فرض النظام.

الهدف الأهم هنا هو، حسب العلماني اليهودي ليو شتراوس؛ الذي يمثل الخلفية الفلسفية لتيار اليمين الجديد ـ كما سنرى لاحقاً ـ، أن العصرنة التي حدثت بسرعة، ولا تزال، في الولايات المتحدة الأمريكية تصيب المجتمع ـ ككل مجتمع معاصر ـ برفض للقيم الأخلاقية والفضيلة، مما يفقد النظام السياسي الأمريكي القيم الأساسية التي أرستها أوروبا في نظامها المعاصر والمتمثلة في العقل والحضارة، وبالتالي فهي تفتقد إلى أي مثل أعلى أو(خير أعلى) كمرجعية تضبط البشر وتحقق سواد النظام على أسس غير قهرية من الخارج،! إنما بانضباط شديد يتشكل عبر(الأنا الأعلى الجمعي) الأخلاقي عند هؤلاء البشر.

لهذا يركز التيار اليميني الجديد على أهمية تطبيق أفكار دينية ولكن من خلال المؤسسات وليس من خلال تطبيق أفكار الأباء المؤسسين، وهنا يفترق بشدة عن التيار الديني الأصولي لأن هدفه براغماتي. إذ يقول :" ليست الفضيلة الأخلاقية تطبيقاً عند الرجل الذكي حقاً، أو الفيلسوف. فالفضيلة الأخلاقية ليس لها وجود إلا في الرأي الشعبي حيث يكون هدفها السيطرة على غالبية الناس غير الأذكياء"، ويذكر بانغل أن الفلسفة عند شتراوس أثبتت بطلان العقيدة الدينية. ومع تواصل هذا الجدال العنيف قال بانغل  إن شتراوس قد وصف تميز أمريكا بأنها "حديثة" وهذا الوصف عند أتباع شتراوس يعتبر أسوأ كلمات الشتيمة.

وهنا بالذات علينا أن نفهم بأن هذا التيار قد(ابتكر!) مفهوم(الحقيقة) بطريقة براغماتية فلسفية معاً؛ فهي(أي الحقيقة) قد ضاعت بسبب الليبرالية المفرطة وبسبب شيوع ما يدعوه شتراوس التيارين، النسبوي الذي يضيع كل حقيقة،  ويحيل الأمور والأحكام إلى مواقف نسبية مائعة،  وكذلك التيار التاريخي الذي يرفض الاعتراف بقيمة عليا في التاريخ تاركاً القيم لتُحال إلى ما تتكون به عبر المجتمعات وعبر التاريخ بحد ذاته.

ولهذا إذ أردنا أن نفهم عقلية تيار اليمين الجديد في الولايات المتحدة ، فإن علينا أن نراه باعتباره خياراً ثالثاً بين الليبرالية التي أقامت موقفاً متسامحاً إزاء أفكار الآخرين، وبالتالي إزاء الحقيقة، حيث لكل الناس حقيقته، وبين التاريخية التي تعتبر أن القيم متغيرة بتغير التجربة والتاريخ الخاص لكل المجتمعات.

لكن هذا لا يعني أن فلسفة اليمين الجديد في الولايات المتحدة لا تعطي أهمية قصوى للبعد الليبرالي،  ولكن  هذه الأهمية تتموضع في التوظيف السياسي له، وليس بالتوظيف الاجتماعي؛ فهم يريدون أن يكون العالم كله ليبرالياً ديموقراطياً في كل المؤسسات  والنظم السياسية، لكنهم لا يريدون أية ليبرالية نسبوية في القيم الاجتماعية حيث أن الهدف هو ضبط المجتمعات أو المجموعات البشرية في المآل الأخير عبر منظومة من القيم الدينية التي يعززها(علمانيون!) لاعتبارات براغماتية محض.

والواقع أن هذا التعظيم الشديد للبعد الديني لهو تعظيم يجد مرتسمه الأبرز في ذلك التفاؤل الممزوج(بالخلاصية) المسيحية، مطبقة على السياسة؛ إذ أن هؤلاء اليمينيين الجدد يعتبرون أنفسهم مخلصين للبشرية! وأنهم ـ بصورة ضمنية ـ يؤدون رسالة السيد المسيح، ولكن على المستوى السياسي . ورغم علمانيتهم،إلا أنهم يستثمرون هذا البعد الخاص في المسيحية لتبرير نزعتهم للتسلط السياسي على العالم بأسره.

هذا النموذج من استخدام الدين علمانياً ولأسباب براغماتية، يتضمن  رأياً  يحتقر الشعوب أو المجموعات البشرية، ويرى ضرورة الوصاية عليها عبر قيم تزرع فيهم تساعد على ضبطهم وتهيئهم ـ عملياً ـ لقبول النزعات السياسية الأخرى التي تتحدث عن(خلاص) الناس والشعوب الأخرى ، وبالتالي تحمّل المعاناة عن الشعوب، بدفع الضرائب وتكبد الخسائر في البشر  والمعدّات من أجل تنفيذ ما يمكن تسميته(شيوع النظام السياسي الأمريكي)؛ باعتبار أن القيم السياسية الأمريكية هي الأفضل وهي التي يجب أن تتعمم على العالم بأسره.!

وعلى هذا يرى شتراوس، الذي سنفيض في الحديث عن فلسفته وهو مرجع لتيار اليمين الجديد، أن الغالبية العظمى من الرجال والنساء، بعيدون كل البعد عن كونهم يملكون القدرة على مواجهة الحقيقة، فهذه القدرة تخص جنساً آخر غير الجنس البشري. وهؤلاء الناس ممن يسميهم نيتشة "القطيع" ويدعوهم أيضاً " العبيد" وهم بحاجة إلى رجال من لدن الله المهدد بالعقاب، والعقاب في الآخرة وإلى قصص أخلاقية عن الصواب والخطأ. وبدون هذه الأوهام  يصاب الناس بالجنون وتعم فيهم حوادث الشغب وينهار النظام الاجتماعي، أي نظام اجتماعي. وحيث أن الطبيعة البشرية لا تتغير كما يقول شتراوس، فهذا الوضع سوف يستمر على حاله.

والرجال المتفوقون / الفلاسفة هم الذين يقدمون للقطيع كل ما يحتاجه من معتقدات دينية وأخلاقية وغيرها رغم أنهم يعرفون في قرارة أنفسهم أن هذه المعتقدات كلها أكاذيب. وكأنه يكرر ما يقوله نيتشة من أن هؤلاء الرجال المتفوقين "كهنة ملحدون" أما شتراوس فيدعي أن أكاذيبهم هي "أكاذيب نبيلة" وبالطبع فهم لا يفعلون ذلك حباً بالخير، ذلك أن نيتشة وشتراوس يهزؤون بالصدقات وحب الخير للجميع ويصفون هذه الأفعال بأنها غير جديرة بالآلهة أو بالرجال أشباه الآلهة. بل إن هؤلاء "الفلاسفة" يستخدمون هذه الأكاذيب ليصنعوا المجتمع وفق مصالح هؤلاء "الفلاسفة" أنفسهم.

والفلاسفة بحاجة لأصناف مختلفة من البشر لتخدمهم، ومنهم " السادة ،حيث  يتلقى هؤلاء "السادة" تدريباً عقائدياً في التعليم "الخارجي للجمهور" أو التعليم العام. منهم من يدربون على الإيمان بالدين والأخلاق وحب الوطن والخدمات العامة،وبعضهم يدخلون في الحكومة. لنأخذ مثلاً على ذلك وزير التربية السابق ويليام بينيت وكتابه بعنوان " كتاب الفضائل". وبالطبع فهم يؤمنون،إلى جانب كل تلك الفضائل التقليدية "بالفلاسفة" الذين علموهم كل تلك الأشياء الخيّرة.

وهؤلاء "السادة" الذين يصبحون ساسة ورجال دولة، يستمرون بتلقي النصح من الفلاسفة. وحكم الفلاسفة من خلال رجالهم الذين دخلوا في الحكم هو ما يسميه شتراوس " المملكة السرية" للفلاسفة. والمملكة السرية هي الهدف الذي يسعى كثيرون من تلامذة شتراوس "الداخليين" لتحقيقه في حياتهم.

والرئز هنا هو إصرار شتراوس على وجوب إخفاء الحقيقة، عن الناس ؛لأن الحقيقة إن عرفت قد تدمر المجتمع والفلاسفة على حد سواء،و أفلاطون والفلاسفة القدامى، مثلهم في ذلك مثل شتراوس نفسه، كتبوا بنوع من الرموز لا يتكشف معناها الحقيقي إلاّ للحكماء. وإذا تصادف واطلع الغوغاء على هذه الكتب فلا يجدون فيها إلاّ الخرافات المألوفة حول الثواب للفضيلة والعقاب للرذيلة وما شابه ذلك.

ويقدم شتراوس مثالاً يأخذه من الفارابي وهو شخص آخر من المؤلفين "الذين يتحدثون للفئة القليلة"-حسب تعبيره- فيوضح كيف أن المرء قد يقول الحقيقة بكلمات معينة تكون غايتها الخداع فقط. وفي شروح لهذه الظاهرة تقول الباحثة دروري : إن" الناسك التقي معروف في المدينة لاستقامته وحشمته وورعه، ومعروف أيضاً بتقشفه وتواضعه وكبح الشهوات،  لكنه لسبب ما أثار عداوة حاكم المدينة له فأمر باعتقاله، واتخذ كافة الإجراءات الكفيلة بعدم فراره من المدينةـ واستنفر جميع الحراس على أبواب المدينة. ورغم ذلك كله استطاع هذا الناسك أن يهرب من المدينة، فارتدى ملابس السكّيرين وغنى لحناً يتوافق مع الصنوج واقترب من أبواب المدينة ولما سأله الحراس من هو أجاب أنه الناسك المتعبد الذي يبحث عنه كل من في المدينة، لم يصدق الحراس قوله، فسمحوا له بالخروج". [دروري 1988, ص xi-x]. والهدف من هذا ميكيافيلي نُخبوي بالضرورة، ويقوم على خداع الناس لأنهم لا يفهمون ولا يجب أن يفهموا.

·       "الجانب الثوري"

الجانب المحافظ من ذلك التيار المسمى باليمين الجديد في الولايات المتحدة تمثّل، كما أسلفنا، في الميل إلى ضبط المجتمع بمجموعة من القيم التي يشرف عليها علمانيون، إلا أن صفة اليمين المحافظ تنقلب فجأة إلى ثورية من نوع أقرب إلى الفاشية والفوضوية معاً.

فالمحافظون على قيم المجتمع لا يقبلون كل ما هو محافظ سياسياً، بل ويتمايزون عن طروحات التيارات المحافظة في أوروبا؛ فهم لا يريدون الدفاع عن نظام الأشياء بما هو قائم عليه  وسائد، بل يريدون"تغيير العالم"! ليصبح متماهياً مع نموذج الحكم والحياة الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا ما يفسّر لماذا انطوت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التي أعلنت في20 أيلول/ سبتمبر2002 على نص صريح يقول أن القيم الأمريكية السياسية قد باتت قيماً كونية ولهذا يجب أن تنتقل إلى المجتمعات والأنظمة السياسية.

السياسة عند هذا التيار ليست ديبلوماسية، بل إن الديبلوماسية تعطل قدرة السياسة الأمريكية على(تنميط) الآخرين بالقيم الديمقراطية، وبالتالي فهي(أي السياسية) أداة تغيير، الأمر الذي يُكسب هذا التيار الصفة الثورية التي تنتفض على الأوضاع الراهنة وعلى كل سكونية سياسية(ستاتيكو)، ولهذا فهم ،وفي بدايات تبلورهم في السبعينيات، كثيراً ما انتقدوا حالة الاسترخاء الدولي التي عرفتها الحرب الباردة، واعتبروها تكريساً لوضع الاتحاد السوفياتي اللاديمقراطي والتوتاليتاري والقمعي، وأنها قد عززت ـ عملياً ـ انتصاراته في المحافل الدولية، وكثيراً ما وجّهوا انتقادات لاذعة للديبلوماسية الواقعية التي رسمها ونفذّها هنري كسينجر.

السياسة الدولية هي مرتكز انتقاداتهم(الثورية)؛ فهي باعتبارها تستند إلى قواعد وآليات تُدخل في المساومة، تفقد المجتمع الدولي القدرة على المبادرة والاستباق، ولهذا فإن الأمم المتحدة تمارس فعلاً شبيهاً بفعل عصبة الأمم المتحدة عندما تفضل الحوار والمسايرة والاحتواء مع القوى العالمية التي تشكّل  خطراً(مستقبلياً!) على السلم والاستقرار، الأمر الذي يستدعي الثورة عليها وعلى قواعدها وشرعتها عندما تصبح أضعف من أن تنتقل إلى(الفعل) المباشر الذي يدرأ عن العالم احتمالات بزوغ ونمو الطُغاة.

ولهذا فإن"سياسة الهرواة" هي الأسلوب الأساسي الذي يعتمده هذا التيار في العمل السياسي، وقناعتهم تتمثل هنا بأن السلبيات اللا أخلاقية كالطغيان  وعصابات الشوارع والمخدرات والانهيارات المجتمعيةسرعان ما تتحول إلى ثقافة، وتسود، وبالتالي لابد من التصدي لها في العالم وفي الولايات المتحدة، وهنا يحدث اللقاء بين الميول الثورية لهذا التيار والميول المحافظة(الأخلاقية المبُسترة).

والملاحظ أن هذا التيار قد ضم عدداً من اليساريين السابقين كـ أيرفينغ كريستول ونورمن بودورتنر مؤسسيّ مجلة كومنتري، وفرانسيس فوكوياما صاحب كتاب"نهاية التاريخ" وهو ماركسي هيغلي يجيّر كلّ المفاهيم الأساسية لماركس وهيغل لصالح انتصار نهائي للرأسمالية وقيمهاالديمقراطية!.

وكذلك يمكن القول نفسه عن ألان بلوم المفكر المعروف في جامعة شيكاغو صاحب كتاب"انغلاق العقل الأمريكي" الذي يهاجم تحول اللا قيم إلى ثقافة، بل ويمارس ما يسمى احتقار الثقافة الغربية من داخل الحضارة الغربية نفسها،  ويبتدع نظرية"الصحيح السياسي" وفيها ما فيها من الميل الشديد نحو فرض قيم، يدعوها صحيحة، على العالم بأسره وعلى السياسة بوجه خاص، وهو ما تبلور في السبعينيات كتيار ورثه في الثمانينيات مجموعة من الشبان المهووسين بهذه الأفكار كوليام كريستول وريتشارد بيرل ودوغلاس فيث وولفيتز واليوت ابراهامز والذين سارعوا لتشكيل مراكز أبحاث مثل(أمريكان  انترابرايزأنستيتيوت) و(هيودسون انستيتيوت) و(هريتاج فوندايشن) و هي ما شكلت( مجموعات التفكير) التي سيطرت على عدد من الدوريات ومراكز النشر كـ (ويكلي ماغازين) ومنشورات(ناشيونال ريفيو)و(كومنتاري) و(نيوريبابليك) ومجموعة موردوك المالكة لشبكة التلفزيون (فوكس) وبعض صفحات من(الوول ستريت جورنال) التي استطاعت عبر دخول اللعبة السياسية والاستثمارية في الولايات المتحدة الأمريكية أن تفرض إيقاعاً آخر للسياسية، بدأت نُذره الأولى مع عهد ريغان واستمرت في عهد بوش الأب وهي الآن تقطف ثمارها في عهد جورج بوش الابن.

هذا الميل الثوري في السياسية الخارجية يخرج الولايات المتحدة عن مفهوم العزلة السياسية الخارجية  وسياسة عدم التدخل المباشر، وبالتالي فإن أول ما يطاله هو مبدأ ترومان في الردع والاحتواء، وهو يتناغم بشكل كبير مع سياسة التدخل الانتقائي التي طورها ريغان وسار علي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الإشكالية الإبستمولوجيا للإيديولوجية "نقد الإيديولوجية"

كتبها الدكتور عماد فوزي شعيبي ، في 19 شباط 2007 الساعة: 16:07 م

في إبستمولوجية العلوم الاجتماعية

الإشكالية الإبستمولوجيا للإيديولوجية

"نقد الإيديولوجية"

·       مدخل إلى المفهوم

الإبستمولوجيا هي النقد الذي يوجه للعلم ، وعليه فإنها تبيح لنفسها نقد المنظومات المعرفية بحثاً عن العقبات التي تمنع تطورها وبحثاً عما ليس مفكراً به ، ومن هنا تأتي المشروعية الفلسفية للتداخل الإبستمولوجي في الإيديولوجية:

 على الرغم من التداول الشائع"إيديولوجية" إلا أن هذا المفهوم لم يكن موضع اتفاق أو مواصفة فهي تختلف من استعمال إلى آخر، بل إن المصلح لم يحتفظ بمضمونه طويلاً.وهو أقل المفاهيم إثارة للجدل، وأقلها ثباتاً.[1] بل إن الإيديولوجية لكونها اجتماعية وتاريخية ، فهي صنيع ثقافي، وهي من هذا المنظور تشبه الأسطورة[2].

ففي تاريخ المصطلح، فإن الإيديولوجية قد ظهرت لأول مرة عام 1801 على يد المفكر الفرنسي دستوت دوتراسي (De trace)    حيث استعمله في كتابه"تخطيط لعناصر الإيديولوجية"؛ وذلك في محاولة للدلالة على العلم الذي يدرس الأفكار بمعناها العام؛ أي كعلم للأفكار(Idea logie)   معتبراً أن كل المعرفة الإنسانية هي معرفة أفكار .

وعندما استعار الألمان الكلمة ضمنوها معنى آخر،وما لبثت أن رجعت إلى الفرنسية كدخيلة عليها، فبعد أن تبنتها النزعة الحسية أو المادية التي ظهرت في فرنسا خلال القرن التاسع عشر؛ باعتبارها "المنهج العلمي" الذي يستبعد الميتافيزيقا، واستخدمت سياسياً لدى نابليون للدلالة على التفكير الذهني البعيد عن الواقع الذي مثله أولئك الفلاسفة الذين عارضوا طموحاته الإمبراطورية[3]، أي عبر المذهب اللاواقعي الذي تكذبه شهادة الوجود الخارجي، فإنها غدت عند الألمان تعني: المنظومة الفكرية، والعقيدة، والذهنية، والوعي الزائف، والقناع، والرؤية الكونية، والمعرفة.

ونعلم أن القرن التاسع عشر قد اعتبر عصر الإيديولوجية؛ وذلك لم يكن بسبب أن الكلمة كانت شائعة الاستخدام، إنما بسبب أن الكثير من الأفكار قد مُيزت عن الأفكار التي جاءت في قرون سابقة والتي غدت لدى المحدثين "إيديولوجية".

وإلى يومنا هذا لا تزال كلمة إيديولوجية موضع تعريف وخلاف، فرون آرون يقول إنها تصورات ذاتية تأتي إلى الواقع من الخارج . بل ويذهب مع نهايات الستينيات والثورة النقدية التي رافقت تلك المرحلة، إلى اعتبار أن الإيديولوجية هي أفيون المثقفين باعتبارها منظومة لتفسير العالم الاجتماعي تنطوي على نظام من القيم المقبولة وتقترح إصلاحات ينبغي إنجازها وانقلاباً يخشاه الناس أو يأملونه، ولكن هذا التعريف يخفي النزعة التبريرية التي قد تحملها بعض الإيديولوجيات، وصولا إلى اعتباره أنها (فكرة عدوي)[4].

فلكي نحدد المعيار الدقيق المعاصر للحقيقة الذي حل محل الحقيقة الدينية المتعالية فإننا يجب علينا أن نخضع معنى كلمة إيديولوجية لتحليل تاريخي أكثر دقة.

فإذا بدأنا بكلمة إيديولوجية نجد أنه ليس لها في الأصل أهمية أنطولوجية إذ أنها لم تكن تحتوي بالأصل ككلمة وكمفهوم باعتبارها علماً للأفكار على أي قرار بخصوص المجالات المختلفة في واقع الحياة لأنها في الأصل لا تدل إلا على نظرية في الأفكار فقد كان الإيديولوجيون أعضاء في جمعية فلسفية في فرنسا كانت حسب تعاليم كوندياك ترفض الميتافيزيقا وتعتبرها لا معنى لها، وتسعى أن تقيم العلوم الثقافية على أسس أنتروبولوجية . وقد ولد التصور الحديث للإيديولوجية عندما اكتشف نابليون أن هذه الجماعة من الفلاسفة تعارض طموحاته الإمبراطورية فأطلق عليها باحتقار شديد اسم جماعة الإيديولوجيين أي أخذت معنى تحقيرياً بعد أن كانت بالنسبة للإيديولوجيين الأوائل تعني علماً للأفكار منافياً ومجافياً للميتافيزيقا ومن هنا فإن كل فكر يضيف تحت باب الإيديولوجيا يعتبر فكراً عقيماً حتى يصل للممارسة الفعلية ويصبح النشاط العملي و الطريق الوحيد و هو المنهج الأول المقارن الموثوق الذي يجب ن نسعى غليه كي يوصلنا إلى الواقع وحين يقاس التفكير والتأمل في وضع ما بمقياس السلوك العملي يتبين أنهما تافهان.

وهكذا يتضح أثر المعنى الجديد لكلمة إيديولوجية هنا قد برز باعتباره يحمل طابع مركزي إشعاعي أي رجالات العمل السياسي فالكلمة هنا تقرر وتدعم خبرة السياسي المحدودة بالأمكر الواقع كما تدعم تلك اللامعقولية العملية الواقعية التي لا تقيم وزناً للفكر باعتباره أداة للتمكن من فهم الواقع.

وانتشرت كلمة إيديولوجية بهذا المعنى في القرن التاسع عشر بمعنى تفوق السياسي تجاه الأمر الواقع على أنماط الفكر والحياة التأملية المدرسية (السيكولاستيكية) وحلت محلها ومنذ ذلك الحين لم تختف المشكلة الكامنة في كلمة إيديولوجية أي مشكلة ما هو الحقيقي فعلاً وهنا عندما تم إعادة تشكيل كلمة الإيديولوجية على يد السياسي في ظل خبراته واتصاله بالواقع والمتحولات فإنها دلت على تحول حاسم في صياغة المشكلة الخاصة بطبيعة الحقيقة وطبيعة الواقع أي إذا كنا نريد الارتفاع فوق ما هو إيديولوجي، فإن علينا ومن تلك المنظومة، أن نجعل التاريخ السوسيولوجي للأفكار يهتم بالفكر الفعلي وليس بمجرد منظومات الأفكار التي تحافظ على استمرار وجوده.

فمع توسع وانتشار المدخل الإيديولوجي وصلنا إلى مرحلة فيها على وجهة نظر واحدة أن تواجه غيرها وتتهمها بتهمة الإيديولوجية دون أن تضع نفسها في مركز يجعلها تواجه ذلك التحدي وتتهم نفسها بهذه التهمة وبالتالي يعتبر كارل مانهايم بأننا وصلنا إلى حد نحتاج إلى مرحلة منهجية جديدة في تحليل الفكر بصورة عامة.

فقد كانت النظرية الماركسية أول من جمع بين التصور الجزئي والتصور الكلي للإيديولوجية مانحة الطبقات مركزاً مهماً في تطور الفكر ولأن جذور الماركسية كانت موجودة في الهيغيلية فقد استطاعت الماركسية أن تتجاوز المستوى السيكولوجي في التحليل وأن تضع المشكلة في سياق فلسفي أشمل وبهذا اكتسبت فكرة الوعي الزائف معنى جديد عند ماركس ولأول مرة يظهر اتصال بين الإيديولوجية وبين الوعي الزائف ووضع ماركس معيايراً نهائياً لفصل العناصر الإيديولوجية في الفكر عن العناصر ذات الصلة بالواقع بمعيارين هما الممارسة السياسية والتغيير الاقتصادي ولكن تم تجاوز هذه المرحلة الماركسية أيضاً فلم يعد تعقب الفكر البرجوازي وأساسه الإيديولوجي وإضعاف الثقة به امتيازاً مقتصراً على المفكرين الاشتراكيين ففي نهايات القرن العشرين أصبحت كل جماعة تستعمل هذا السلاح ضد جماعات أخرى مدخلة فكرة الإيديولوجية في حقبة اجتماعية وفكرية جديدة فقد ظهرت الاتجاهات الأولى على يد ماكس فيبر وسوم بارت وتروولج، حيث يعتبر ماكس فيبر أن ليس التطور المادي للتاريخ سيارة أجرة يدخلها المرء ويخرج كما يشاء معتبراً أن من يدخلها(أي التصور المادي تصور ماركس) يفقد حريته في مغادرتها حتى ولو كان ثورياً.[5]

وفي واقع الحال فإن رصد سيرورة المفهوم تعطينا انطباعاً واضحاً عن تفاوتات استخدامه فإذا ما تتبعنا تمييز العروي للإيديولوجية فإننا نجده قد قسمها إلى ثلاثة مجالات ومعان كبرى للمفهوم: ففي مجال الصراع السياسي فإن الإيديولوجية تعني كل تفكير مخادع أو تضليلي ولهذا فهي قناع أما في مجال الاجتماع البشري فهي تعني مجموعة الأفكار والقيم والمثل التي تتبناها جماعة ما والتي تحدد لها رؤيتها للواقع الاجتماعي وللتاريخ؛ ولهذا فهي رؤية كونية. وفي مجال نظرية المعرفة فإن الإيديولوجية تعني المعرفة الظاهرية السطحية ولهذا وقبل أن نعين الإيديولوجية يجب أن نحدد الحقل الذي تعمل فيه ولا بد في نهاية الأمر أن نؤكد على الطابع الشامل لهذا المفهوم باعتبار الإيديولوجية ظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية ونفسية ومعرفية.

المناحي الثلاث للإيديولوجية:

مع التقسيم سابق الذكر نعرض للنماذج الثلاث النقدية والمختلفة للإيديولوجية معتمدين في هذا على تقسيم عبد الله العروي.

الإيديولوجية كقناع[6]:

المقصود هنا الاستناد إلى ثنائية (الظاهر/ الباطن)، المستمدة من الفكر النقدي الذي لا يرى  الحقيقة في ظاهر الأمور الحقيقة، ويخضع الأفكار لعملية التأكد من الصدقية. وعليه فإن هذا التوجه الذي عززته فلسفة عصر الأنوار يبحث في المخفي وغير الظاهر ويعتبره معياراً أو كنهاً للحقيقة.

وهذا النموذج يعكس فعلياً الفلسفة النسبوية التي تتجلى في مجال السياسة في كل تفكير مخادع ومضلل، وفي مجال الاجتماع البشري في مجموعة القيم والأفكار التي تتبناها جماعة ما وتحجب عنها رؤية الواقع كما هي وفي مجال المعرفة بالاعتماد على المعرفة السطحية والظاهرة. وهنالك نماذج في التاريخ الفلسفي لهذا النوع من الإيديولوجية لدى الفلاسفة:

أولاً : فرويد والحقيقة الكامنة في اللاوعي:

يعتبر فرويد أن الغريزة الجنسية هي التي تحكم السلوك الإنساني، وبالتالي فهي الباطن الذي يعكس الظاهر؛(الفكر والسلوك الإنساني العرَضي). فالحياة الإنسانية وبالتالي الفكر، تحكمهما غريزتا الموت والحياة (الليبيدو). ولهذا فالعقل كغيره من الموجودات العضوية تحكمه الغريزة.ولهذا يطالبنا بالبحث عن الحقيقة خارج العقل، إذ أننا لايمكننا فهم الأفكار والأنظمة الاجتماعية خارج إطار الرغبات وبمجرد الاستناد إلى القواعد العقلية التي أنشأها الإنسان، فهي قواعد زائفة ومخادعة. وعلى هذا فإنه يطالب بتأويل الأخلاق والأساطير والأعمال الفنية والأنظمة الاجتماعية والأخطاء العفوية وزلات اللسان … باعتبارها رموزاً(ظاهرة) تشير إلى / وتعكس أحداثاً غريزية ورغبة مكتبوتة.

فالتاريخ الحضاري والوعي الإنساني عند فرويد ليس طويلاً جداً، وبالتالي فإن الدوافع المكبوتة لم تنزل إلى اللاشعور تماماً ولم تغلق الباب وراءها ، إنما هي قريبة من منطقة الوعي (بعضها في منطقة ما قبل الوعي)، حيث يستطيع الوعي أن يستدعيها بسهولة نسبية، وكذلك الأفكار التي لا تعكس الحقيقة إنما تشكل رموزها الظاهرة.

إن العقل، كغيره من الموجودات حسب فرويد تبقى، تحت تصرف الرغبة. والتركيبات الذهنية، ليست سوى أقنعة تخفي ما وراءها. وبما أن التاريخ الحضاري أو الواعي للإنسان، قصير جداً بالنسبة إلى ماضي الحياة، فإن الدوافع المكبوتة لم تغرق في بحر النسيان. إنها قريبة جداً من سطح الوعي حيث يعمل العقل، وليس من الصعب استحضارها بتأويل بسيط للمعقولات[7].

ثانياً : نيتشه وغل المستضعفين[8]:

يتم تبخيس العقل -حسب نيتشه- إلى مستوى الأداة الطيعة في خدمة أهداف مسبقة خفيه وغير ظاهرة في منطوق تلك الثقافة المعلنة؛ فالثقافة الأوروبية في رأي نيتشه، منذ ألفي سنة،هي ثقافة المستضعفين الذين أبدعوا قيم العدل والمساواة والخير والضمير المسؤول، وهنا تتجلى ثنائية (الظاهر / الباطن) لديه عندما يبحث  في اشتقاق الكلمات المستعملة في القاموس الأخلاقي، ليكتشف أن الصالح يعني في مبادئ اللغات القوي النبيل ، وأن الفاسد يعني الضعيف المغلوب العامي. وعليه فإنه يستنتج أن الأخلاق الصالحة هي أخلاق الأشراف، أسياد الحرب الذين يطيعون بدون تردد نزوات الجسم الطبيعية. حيث في الواقع فإن الغريزة هي التي تعمل من خلال فعل الفرد القوي وانفعال الفرد الضعيف.

ويبني على ذلك ما هو باطن في الفكر ليرى بأن هدف الأخلاق والثقافة، كان الانتقام من تصرفات القوي، وبالتالي من مجرى الحياة،لأنها بلا مبرر.

وعندما يتصفح نيتشته أخبار التاريخ يرى فيها حرباً دائمة بين القوي والضعيف، بين الصحيح والمريض، بين السيد والمستضعف. ويستنتج هنا أن الثقافة الحقيقية (أي الباطن)؛هي تلك التي تخضع للحياة، وتخدم قانونها الأساسي؛ قانون الاستمرار. أما ما يسمى بالثقافة منذ ألفي سنة، فهي فاسدة خادعة لأنها لم تفتأ تتنكر لقانون الحياة : قانون القوة.

وعليه فالعقل عاجز عن خلق أية قيمة إذا لم يرتبط بالحياة. كلما عادى الحياة لجأ إلى قيم زائفة وهمية كالأخلاق.

إن ما يهمنا في نظرية نيتشة أنها تنفي استقلال الإنتاج الفكري وتعتبر أنه مجرد قناع يستر هدفاً أعمق وأعم من المصلحة الفردية أو الطبقية. أما الشيء المستور(الباطن) وراء الإيديولوجية عند نيتشه فهو غل المستضعفين، ذلك الغلّ الذي خلق عالماً أعلى، عالماً وهمياً، بجانب العالم الأسفل، الحقيقي، الوحيد الذي نعيش فيه، لأنه يعادي الطبيعة جميعها، والذي اخترع الثقافة والحضارة لأنه يعادي الأسياد أولياء الحياة، والذي اختلق التربية لأنه يعادي ميول النفس الطبيعية.

 

·        ماركس والمصلحة الطبقية:

استعمل ماركس كلمة الإيديولوجية كما هو حال المفردة نفسها باعتبارها إشكالية بصور متعددة الأوجه .فقد استخدمها كما لاحظ العروي[9] وفقاً للمفهوم الرائج في الأوساط الاشتراكية الباريسية حيث اعتبرت الإيديولوجية مصطلحاً يعني التفكير غير العقلاني و غير النقدي و موروثاً عن عهد الاستبداد. إلا أن ماركس في الفترة الفاصلة بين 1830 و 1848، أي الفترة التي تكوّن فيها ماركس فكرياً، وتحديداً في كتابه الأيديولوجية الألمانية فند أعمال ثلاثة مفكرين ليميّز بين الفلسفة، التي رغم أنها لا تعبر عن وعي تام بحقيقة التاريخ، تدرك بعض الحقائق، على الأقل منهجياً، وبين الإيديولوجية الألمانية، التي تعوق المرء عن إدراك أي جزء من أجزاء الواقع التاريخي.

لقد كان  نقد ماركس نقداً مضاعفاً. لأنه ينقد أقوالاً كانت ذاتها نقداً لأقوال أخرى. فقد نقد  فيورباخ هيغل اعتماداً على المادية الطبيعية؛ مادية القرن الثامن عشر، وورثة فيورباخ، في اليسار الهيغلي، كانوا ينقدون النظام الفكري القائم في ألمانيا،، انطلاقاً من فرضيات العقل البديهي.

وهنا كان ماركس يوجه نقده بالصورة التالية:"ماهو الشيء الذي يبرر ادعاءكم أن فكركم يعكس وحده الحقيقة المطلقة؟ فأنتم تفسرون أوهام الآخرين بحب السيطرة والتقليد والتربية الفاسدة، فكيف تفسرون نشوء فكركم النقدي؟ إنكم تقفون على أرضية فلسفة الأنوار وتستعيرون ماديتها وعقلانيتها، لكن ما كان جائزاً في القرن الماضي لم يعد جائزاً في عهدكم. حين تُحيون في ألمانيا فلسفة الأنوار ونقدها للأوضاع، فإنكم تُلغون التاريخ الواقعي، وبإلغائكم إياه تملأون أذهانكم بالأوهام وتعرضون عن معرفة الواقع. فكركم إذن أيديولوجي، غير علمي".

فمحور النقد المضاعف هنا أن هؤلاء يضعون أنفسهم موضع فلاسفة الأنوار ويضعون ألمانيا في موضع فرنسا كأنه لم يقع شيء منذ أن هاجم الماديون الفرنسيون الكنيسة الكاث

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كيف تعمل السياسة السورية

كتبها الدكتور عماد فوزي شعيبي ، في 16 أيار 2007 الساعة: 21:52 م

كيف تعمل السياسة السورية: السوريون يطوون الصفحة

بقلم: د. عماد فوزي شُعيبي *

يستطيع السوريون أن يطمئنوا إلى أنهم باتوا يطوون صفحة من أخطر صفحات تاريخهم المعاصر. صحيح أن الستارة لم تنسدل عن أعنف صراع إقليمي - دولي كانت سورية في لبِّه، ولهذا فهم لا يستطيعون أن يركنوا إلى أن الأمور انتهت، لكنهم بالتأكيد يعرفون أنهم في الربع ساعة الأخيرة من المشهد الأخير من إحدى جولات الصراع على الشرق الأوسط وتحت ذلك العنوان الأكبر كان المشهد الأول فيه بعنوان الصراع على سورية.

لم يكن لأحد أن يتصور أن سورية التي سجلت لنفسها عبر نحو ثلاثة عقود خروجاً من الصراع عليها إلى صراع على الشرق الأوسط هي الطرف الأساس فيه، سوف تشهد ذلك التحول الذي كاد أن يعيدها إلى المربع الأول ؛ الذي كانت فيه تلك الدولة ريشة تتجاذبها الأهواء، وأن السوريين الذين نسوا القاعدة الإستراتيجية القديمة التي كانت تقول: من يسيطر على سورية يعين إحداثيات السيطرة على الشرق الأوسط"، سوف يستعيدون ذلك في قلق عارم مع هبوب الرياح القادمة من الشرق المنهار تحت وطأة احتلال بغداد.

كان على السوريين الذين تعرضوا لأعنف قصف ارتجاجي إعلامي وديبلوماسي دولي وإقليمي أن يعينوا إستراتيجية دفاعهم ومن ثم هجومهم المضاد كي يستعيدوا مكانتهم الإقليمية، التي كان واضحاً أنه بدونها لن تكون سورية إلا ممرا عابرا وسماداً لاستراتيجيات الآخرين.

حدد السوريون قواعد لعبتهم على النحو التالي:

• من الضروري الانحناء أمام العاصفة (لحظة سقوط بغداد) ولكن من غير المجدي تقبل الانحناء بصورة دائمة،وذلك انطلاقاً من أن على الطرف الذي تحتويه أن يعرف أنك تحتويه ولا يتوهم أنه يملي وأن عليك أن تستجيب إلى ما لا نهاية وبالتالي عدم اعتماد مبدأ تقديم التنازلات لأن التنازلات ستجر سلسلة لا تتوقف من التنازلات، وأن المسألة يمكن تلخيصها بأن صدَّ المطالب أفضل من تقديم ولو الحد الأدنى من التنازلات التي لن تنتهي.

• تكريس مبدأ "قضم الوقت وربح الزمن" وهو مبدأ رسمه السوريون على أساس أن تداعي ميزان القوى لا يسمح بالتسارع الزمني، وأنه بناء على ذلك لا يستوجب اختلال ميزان القوى القيام بمبادرات دراماتيكية على اعتبار أن ذلك يقتضي تأمين مسارها لإيصالها إلى نتائجها النهائية، وهو أمر لا يمكن القيام به إلا بتوافر ميزان القوى المناسب، الأمر الذي يعني اصطياد أخطاء الآخرين في مبادراتهم وتقويض نتائج إنجازاتها الدراماتيكية عبر الاستفادة من تلك الأخطاء لتدمير المنجز في مبادراتهم بكليته. صحيح أن هذه اللعبة تبدو بالنسبة لأصحاب مبدأ استغلال الوقت ومحاولة مقاربة ذلك بكيفية عمل السياسات الأخرى لدول

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مأساة الديموقراطية في سقوط إيديولوجية الديموقراطية

كتبها الدكتور عماد فوزي شعيبي ، في 1 آذار 2007 الساعة: 12:32 م

 مأساة الديموقراطية في سقوط إيديولوجية  الديموقراطية  

د. عماد فوزي شُعيبي

 

ishueibi@scs-net.org

مع نهاية القرن العشرين،كانت دعوات الديموقراطية تنتشر بسرعة تفوق سرعة انتشار الأفكار اليسارية في الخمسينيات والستينيات مما شكل أنذاك ظاهرة "إيديولوجيات اليسار".

 ومثلما كان الخروج عن اليساريات أنذاك  يُعهَّر ويُجرَّم، كان مجرد الدعوة إلى التعقل في الدفع باتجاه تحويل الديموقراطية إلى "إيديولوجية الديموقراطية"، يتلقى نفس الاتهامات مضافاً لها اتهامات العمالة؛ وهي نفس اتهامات العمالة التي رافقت "إيديولوجية اليساريات"، مع الفارق أن تلك العمالات كانت منسوبة إلى الغرب أو الإمبريالية أو البرجوازية … في النموذج اليساري، فيما نُسبت إلى الأنظمة الديكتاتورية أو المخابراتية، أو إلى تهمة الانتهازية أو الوصولية في النموذج الديموقراطي.

وكان الطريف أن أغلب الذين رافقوا ونظروا للإيديولوجية الديموقراطية هم أنفسهم الذين كانوا يعتبرونها هرطقة برجوازية صغيرة عندما كانوا يساريين. وهم أنفسهم الذين نقلوا نفس مصطلحات الاتهام إلى الجناح الديموقراطي من طير الإيديولوجية الذي لا يزال يحوم حول المنطقة العربية بالأسلوب اليوتوبي الذي يتحدث عنه كارل مانهايم عندما يؤكد على أن كل إيديولوجية هي مشروع مدينة فاضلة لا تتحقق، وهي أقرب إلى الإيديولوجية كقناع يخفي الوقائع، تحت ستار من الوعي المزيف.

اللافت أن المنطقة العربية لا تزال تتحرك كـ (مفعول به) على المستوى المعرفي؛ فالأفكار التي تسودها هي على الأغلب الأفكار التي لا تني تأتي انعكاساً عن عصر أو مرحلةٍ أيديولوجية تسم وعي وسلوك (الكبار) في العالم. صحيح أنها تدغدغ الموجود والمُعانى منه والمأمول … لدى نخب هذه المنطقة، إلا أنها لا يمكن إلا أن توصف بأنها رجع صدى لوقائع الآخرين، فالمدّ اليساري اليوتوبي في القرن الماضي انعكس دوغمائيات(معرفة يقينية لا تقبل التغيير أو المراجعة) يسارية في منطقتنا العربية.

 وارتبطت هذه الدوغمائيات بحاجات الفقراء والحلم الذي اجتاح الأرياف والأقليات لوأد الصراع الطبقي في مهده والولوج إلى عالم الفردوس العدالي الذي يطوي صفحة الجوع والقهر الاجتماعي مشفوعاً برؤية اختزالية تختزل كل المشكلات الإنسانية بالبعد الاقتصادي، تماماً كما هو حال أغلب النظريات التي رافقت البعد النقدي الذي جسدته فلسفة عصر الأنوار والتي اختزلت الحياة والمعرفة بثنائية (الظاهر/ الباطن) وأنهت المتنوع لحساب الواحد وأراحت ضمير الإنسان الواعي بتشريط معرفي ربط كل الموجود بسبب وحيد القضاء عليه أو معرفته أو السيطرة على أبعاده سرعان ما يلج بالبشر إلى عالم فردوسي، فيما المعرفة الاختزالية الواحدية هي (الخلاص) البشري ، حيث أن إيديولوجيا الخلاص هي الإيديولوجية التي تتحكم بالوعي البشري النمطي الدوغمائي سواء أكان دينيا أو ماركسيا … أو حتى ديموقراطياً.

المفعول به الخلاصي الثاني أتى مع اندياح إيديولوجيا الديموقراطية، ولكن هذه المرة بدلا من أن تأتي الإيديولوجية الخلاصي من الشمال والشرق  فإنها أتت من الغرب.

إيديولوجيا التنميط الأوروبي وتوحيد الهوية العالمية للدول عبر الديموقراطية، أنتجت دعاوى ديموقراطية خجولة في العالم وانعكست في الثمانينيات والتسعينيات إيديولوجيات انعكاسية في عالمنا العربي تتخذها وسيلة لإيجاد فرصة للبعض لولوج السلطة، فيما تدغدغ الموجود والمُعانى منه والمأمول، وتستند إلى معاناة الوعي العربي السائد من التسلط والبيروقراطية  وضعف الحريات العامة والفساد وضعف الفرص الاقتصادية وارتباطها بالصعود في سلم هرم الدولة التي باتت تجسد الاقتصاد – السياسي بشكل أفرط في ربط السياسة بالمصلحة الاقتصادية اختزلها لسبب أو لأخر بالدولة المركزية التي نشأت على أساس تشكل قسري للعصرنة في تلك البلدان، تتجاوز التخلف الاقتصادي والاجتماعي وال

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتاب الإبستمولوجية وبعض مسائلها للدكتور عماد فوزي شُعيبي

كتبها الدكتور عماد فوزي شعيبي ، في 19 شباط 2007 الساعة: 16:42 م

الإبستمولوجيا

و بعض مسائلها

 

 

الجزء الأول

 

 

الدكتور

 عماد فوزي شُعيبي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الأول  :

 "الإبستمولوجيا"  مدلول المصطلح

اختلف الباحثون في المعنى الدقيق، إن وُجد، لكلمة إبستمولوجيا فإذا رجعنا إلى الأصل الاشتقاقي لهذا اللفظ وجدنا أنه مركّب من (ابستيمه)EPISTÉMÉ ومعناه(العلم)، ومن(لوجيا) LOGIE وهي تدل على(المقال)[1] ، أو علم ، نقد ، نظرية ، دراسة …[2] . وفي هذا المستوى اللغوي رأىالمعجم العام للعلوم الاجتماعية، أنها تعني(علم العلم)، لكن المُصطلح يغدو –هنا- أكثر التباساً .

إنها كلمة مستحدثة. فهي لا توجد في معجم(ليترة)، ولا في معجم"لاروس الجديد المصوَّر". ويذهب(روبرت) إلى أنها ظهرت أول ما ظهرت في المعاجم الفرنسية في"ملحق لاروس المصوَّر" سنة1906. وقد كان(جدل لاشيله) في حوالي ذاك التاريخ، حيث كان معجم(لالاند) الفلسفي يهيأ للظهور، يعد هذه الكلمة كلمة جديدة مؤسفة[3].

و قد قال مؤلفا تعريف "الإبستمولوجيا" في"معجم اونيفرساليس" إنها كلمة قديمة جداً، أو إنها على الأقل مؤلفة من مواد قديمة جداً، ولكن استعمالها حديث لا يسبق القرن التاسع عشر ضمن مفردات الفلسفة المتخصصة. وهذه الكلمة يقابل ظهورها تاريخ الفلسفة وتاريخ العلوم، فيما يذهب (لالاند) في"معجمه" إلى أنها تدل على فلسفة العلوم. فهي ليست بوجه خاص دراسة الطرائق العلمية، لأن هذه الدراسة موضوع علم المناهج (الميثودولوجيا)، و الأخيرة  جزء من المنطق[4]، كما تتوافق عليها المدرسة الفرنسية في الفلسفة، كما أنها ليس تركيب قوانين علمية أو استباقها بالافتراض.

الإبستمولوجيا، بالدرجة الأولى، دراسة نقدية لمبادئ مختلف العلوم وفرضياتها ونتائجها بغية تحديد أصلها المنطقي(لا النفسي) وقيمتها ومداها الموضوعي. ويرى العوا  أن من الموائم ترجمة هذا اللفظ الأعجمي بعبارة"نقد العلوم"، باعتبار النقد إيضاح تقويم يصدر حكماً في أمر بما له وما عليه معاً، إن لم يكن من الأفضل الحفاظ في اللغة العربية على اللفظ بصيغته الأجنبية بوجه الإطلاق، ونحن نميل لهذا الاتفاق ، فهي نقد للعلم أكثر منها علم للعلم ، فالأخير ينزع عنها صفتها الفلسفية،وكذلك فإن نظرية العلم تبدو حطاً من قدرها الفلسفي، إذ يُلحقها بالعلم ولا تبدو –كما هي عليه فعلاً- رؤية فلسفية وليست نظرية فحسب للعلم.

ويجب أن نتذكر دائماً أن المصطلح بدا بهذا الشكل من الإشكالية نظراً لعدم القدرة على إيجاد الفواصل أو الحدود النهائية بين الإبستمولوجيا والعديد من المجالات  كالميتودولوجيا(علن المناهج) أو الغنيزيولوجيا( نظرية المعرفة) أو الكريتيريولوجيا (علم المعايير).

ولئن كانت الكلمة جديدة فإن روبرت بلانشيه يرى أن  ما تدل عليه لم يكن بالشيء القديم جداً. فكل فلسفة تنطوي على بعض تصور للمعرفة،و  مثال ذلك(أفلاطون) الذي يعرض منذ وقت بعيد في(تيتاوس) نظرية عن العلم بالمعنى الواسع.

ولكن كلمة"علم" قد تحلت منذ القرن الثامن عشر بمعنى أضيق وأدق، وهو المعنى الذي نرمي إليه عندما نتحدث اليوم عن"أكاديمية العلوم"، أو عن الثقافة العلمية، أو عن تطبيقات العلم..الخ. ففي القرن الثامن عشر، وبعد الدفع الذي حققه(غاليله)، وهو دفع حاسم، غدا العلم غير مستقل استقلالاً كافياً عن الفلسفة. وكذلك الحال لدى(نيوتن)، فضلاً عن(ديكارت)، إذ كان العلم يُعرض بعنوان"مبادئ الفلسفة" وستستمر عبارة"الفلسفة الطبيعية" ذائعة لدى الإنكليز حتى نهاية القرن التاسع عشر للدلالة على الفيزياء. وكذلك كان اللفظ الألماني لمعنى العلم WISSENSCHAFT لا يزال على العكس يحتفظ ببعض المعنى الأوسع الذي كان يميل فيه سابقاً إلى الامتزاج بمعنى الفلسفة.[5]

ويرى بلانشيه [6] أن أفضل كتاب في القرن الثامن عشر يشكل إرهاص ما سيصبح الإبستمولوجيافي هو"المقالة التمهيدية للموسوعة" بقلم(دالمبر). وفي مستهل القرن التالي يمكن عدّ الممهدَّات الآتية وهي الجزء الثاني من كتاب(دوغالن ستورت) بعنوان"فلسفة الفكر الإنساني"(1814) وكتاب(اوغست كونت)"دروس الفلسفة الوضعية وكتاب(جون هرشل) بعنوان"المقالة التمهيدية للفلسفة الطبيعية"(1830). ولكن الكتابين الرئيسين اللذين نختار عدّهما طوعاً مما ندعوه اليوم الإبستمولوجيا، ولو أن الكلمة لما توجد آنذاك، فقد ظهرا في وقت واحد بوجه التقريب في الثلث الثاني من القرن التاسع عشر: الأول يتصل بالعلوم الصورية، المنطق والرياضيات، وهو كتاب(برنار بوالزانو) بعنوان WISSENSCHAFTSLEHRE، والكتاب الآخر يتصل بعلوم الطبيعة وعنوانه"فلسفة العلوم الاستقرائية" وقد وضعه(ويليام وهويل)[7] سنة1840.

إن كلمة WISSENCHAFTSLHRE التي كتبها(بوالزنو) في مقدمة كتابه  تسمح بالإمعان،  فهي تقابل من الناحية الحرفية في اللغة الألمانية ما تعني كلمة الابستمولوجيا المستلهمة من الإغريقية في اللغة الفرنسية أي: نظرية العلم. وعلى الرغم من ذلك فإن اللفظين، الألماني والفرنسي،(أو كلمةEPISTEMOMGY باللغة الإنكليزية) ليسا مما يمكن استبدال أحدهما بالآخر بدقة. لأن اللفظ الأول لم يكن يحتفظ من أصوله الأقدم في الغالب إلا ببعض معنى أوسع من المعنى الذي تحلى به اللفظ الآخر من رسم دلالة على مجال أضيق فهو لا يتميز على الدوام تميزاً جلياً عن لفظERKENNTNISCHTHEORIE الذي يدل على"نظرية المعرفة" بوجه عام. وإذن فإنه يتسم بسمة فلسفية أجلى.  بل أنه قد يحظى بتوسيع أكبر جداً ما دام هذا اللفظ ذاته WISSENSCHAFTSLEHRE هو الذي اختاره(فيخته) حوالي سنة(1800) عنواناً لعرض- أو بالحري للعروض المتعاقبة لفلسفته بأسرها

إن عبارة نظرية العلم WISSENSCHAFTSLCHRE تدل لدى(بولزانو) على معنى أدق، هو المعنى الذي تشير فيه كلمة WISSENSCHAFT دلالة دقيقة على المعرفة العلمية، بصرف النظر عن أي شكل آخر من أشكال المعرفة، وإن دراسته تتناول، أكثر ما تتناول، بكثير من الانتباه الدقيق، بحرص جمّ على الصرامة، بحث مفاهيم المنطق الرئيسة مثل قابلية الاشتقاق. وهي تبشّر على هذا النحو بالأسلوب، وتستبق إلى بعض المشكلات مما يطالعنا اليوم في بحوث ما وراء المنطق.

ويذكّرنا بلانشيه بأننا نطلق الآن تعبير"ما وراء العلم"، من أجل حالات أخص لكلمتي"ما وراء الرياضيات" و"ما وراء المنطق"، فنطلقه على دراسة"تلي" العلم وهي تتناول العلم فتتخذه بدوره موضوعاً، وتتساءل، وهي ترقى إلى مستوى أعلى، عن مبادئه، وأسه، وبنياته، وشروط صحته،الخ. ولهذا  يرى أن الإبستمولوجيا، وهي تفكير في العلم، إنما تدخل هي ذاتها، بهذا الوصف، في"ما وراء العلم"، ولا يمكن تمييزها عن"ما وراء العلم" إلا بفويرقات  أن ما وراء العلم يبين في العادة حرصاً أقصى على أن ينقل إلى مضماره أسلوب العلم ذاته ومقتضياته، فلا يكاد يكون من الممكن إذن أن يتصدى لممارسته إلا العلماء الاختصاصيون، في حين أن الابستمولوجيا تقف في الغالب بالإضافة إلى العلم على بعض مسافة، وهي لا تزال تحتفظ بسمة فلسفية متميزة إلى حد كبير أو صغير، وعلى الرغم من مساعيها للتقليل من شأنها.

وفي حوالي سنة(1900)، عندما بدأ التساؤل بجد عن بعض مبادئ ما سيدعى العلم"المدرسي"، نمت الحركة الكبيرة المسماة"نقد العلوم"كانتقاد موجه ضد الوثوقية العلمية، حيث تناولت طبيعة القوانين، ونظريات الفيزياء.

وقد كانت"أزمة الأسس" التي انطلقت من متناقضات الفئات ترغم علماء الرياضيات في الوقت ذاته على التساؤل، هم أنفسهم، عن مبادئ علمهم. وقد انصرف إلى هذا التساؤل، أكثر من انصرف(كوتلوب فريجه) في ألمانية و(برتراند رسل) في انكلترة. وباتصال الكفاءة العلمية والتفكير الفلسفي على هذا النحو، وهو اتصال توجيه بصورة قاهرة حال العلم ذاتها وقد جعله الاختصاص العلمي الناجم عن نمو العلم أمراً نادراً باطراد، وجدت الإبستمولوجياذاتها، وقد تكونت بوصفها مبحثاً أصيلاً. وهذا الوضع الراهن هو الذي جاء داعماً عمادها[8].

ويرى العوا [9] أن الطريف في الأمر، وهو غير مباغت حقاً، أن الباحثين الإبستمولوجيين من أمثال(مايرسون)و(دوهم) و(برنشفيك) و(بوانكاره) و(رسل) والوضعيين وأصحب(نادي فيينا) و(باشلار) وأتباعه من طراز(بانكليم) و(داكوني) و(كرانجر) يمضون وراء أهدف متباينة بشأن تعريف وموضع تطبيق الابستمولوجيا، كذلك يفعل (بوبر) في مقدمة الطبعة الإنكليزية للكتاب"منطق الاكتشاف العلمي" (1958) معتبراً :" أن المشكلة المركزية في الابستمولوجيا كانت وتبقى مشكلة نمو المعرفة والسبيل الأفضل لدراستها هي دراسة نمو المعرفة العلمية".

ويذهب(جان بياجه) إلى هذا  الوضع بالذات عندما يقول :"إن المشكلة المركزية في الابستمولوجيا هي تبيان هل تنحلّ المعرفة إلى مجرد تسجيل المرء معطيات منتظمة سلفاً بصرف النظر عنه في العالم الخارجي(الفيزيائي أو المثالي) أم أن المرء يتدخل في المعرفة وفي تنظيم موضوعاتها كما حسب(كانت)"[10].

فالإبستومولوجيا التكوينية هي نوع خاص من الإبستمولوجيات حيث رأى بياجيه أن الخطأ العقيم الذي ارتكبه الفلاسفة قد كمن في نظرتهم إلى المعرفة كواقعة نهائية وليس كسيرورة، وقد ذهب بدوره إلى أن جميع القضايا العلمية قابلة للمراجعة والتصحيح (والنقطة الأخيرة يوافقه عليها باشلار عندما يعتبر أن العلم هو تاريخ  تصحيح أخطاء العلم[11]) وبالتالي فالمنهج التكويني في الإبستمولوجيا يستلزم النظر إلى المعرفة من زاوية تطورها في الزمان أي كتكوين من ناحية وباعتباره لم ولن يكتمل من ناحية أخرى، وهذه الأخير تتطابق مع رؤية باشلار لما يسميه الفلسفة المفتوحة[12].

 ولا بد عندما نود أن نوغل أكثر في تعيين المفهوم أن نُلاحظ أنه ستُطالعنا  مشكلتان أساسيتان: الأولى مشكلة وحدة العلوم، وهي مطروحة لدى(كونت) و(مايرسون) مثلاً، وقد زعزعها (باشلار)، ثم مشكلة وحدة أشكال المعرفة: إذ يرى باحثون مثل(مايرسون) أن هناك استمراراً بين المعرفة العامية والعلم، ويرى آخرون مثل(باشلار) وأتباعه أن ثمة انقطاعاً بل انقصاماً بين المعرفة والحس المشترك  إزاء العلم هو ما يدعوه بالعقبة الإبستمولوجية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

           المجال الإبستمولوجي

بات واضحاً لكل من عالج موضوع الإبستمولوجيا أنه من العسير رسم تخوم تفصلها عن المباحث المجاورة، سابقة الذكر. والأمر شأنه شأن كل مسعى للتعريف. أنه، بادئ ذي بدء، مسألة مفردات، وإذن مسألة قرار حرّ لا ينمّ عما هو صواب أو خطأ، بل عما هو مناسب، كما يُقر بلانشيه إذ مهما تتباين طريقة تحديد معنى الكلمة، ستبقى تخوماً متحولة، لأن مشكلات الابستمولوجيا تتجاوز وتتناول  في آنٍ مجالات كنا قد وضعناها خارج تلك التخوم ومنها العلاقة بين الإبستمولوجيا وكل من :

1.                 الإبستمولوجياونظرية المعرفة:

     تختص نظرية المعرفة كما بات معلوماً في إمكانية قيام معرفة ما عن الوجود بمختلف أشكاله ومظاهره، وما إذا كانت المعرفة ممكنة وبالسؤال عن أدواتها وحدودها وقيمتها، وتأسست في سياقها هنا عدة مذاهب منها المذهب العقلي الذي يعتبر العقل هو الوسيلة الوحيدة للمعرفة وفيه تتأسس معرفة قبلية فطرية ، والمذهب الحسي- التجريبي الذي يُحيل المعرفة إلى الحواس باعتبار العقل صفحة بيضاء TABU LA RASA والمذهب الحدسي الذي يُحيل المعرفة إلى الحدس الذي لا يُتوافق على تعريف صارم له!

وتبدو  علاقة الابستمولوجيا بنظرية المعرفة -بشكل أولي-  كأنها علاقة الجنس بالنوع،حيث أن  الابستمولوجيا تقتصر على شكل وحيد من أشكال المعرفة، وهو المعرفة العلمية. وعلى الرغم من ذلك فإن التمييز سرعان ما  ُيمحّي عندما نُرجع النوع إلى هذا الجنس وحده، كما هي الحال لدى المؤلفين الذين يطلقون  تعبير المعرفة على المعرفة العلمية وحدها ويرون أن كل ما عدا ذلك لعب لفظي خلو من أي مدى معرفي. وذاك ما كان عليه، مثلاً، موقف الوضعيين- المحدثين في(فينا)، وهوموقف الاختبارية المنطقية التي جاءت في أعقابهم.

وعلى ذلك فإن(كارناب) لا يعترف بصحة نظرية المعرفة إلا في حدود إرجاعها إلى الإبستمولوجيا، بل، وبوجه أدق، إلى تحليل العلم تحليلاً منطقياً. وفي فرنسة جعل(ل. روجيه)، الذي يتفق في هذه النقطة مع الاختبارية- المنطقية، عبارة"كتاب المعرفة" عنواناً لكتابه الذي  يقول فيه أن  ليس ثمة من معرفة إلا المعرفة العلمية. فهنالك"علوم زائفة" و قد ُبتَّ في شأنها منذ زمن بعيد. وهذا ما يقف وراء  افتخار(ديكارت) بأنه لم ينخدع بوعود السيميائي ولا بتنبوءات المنجّم وأضاليل الساحر"[13]

و يلاحظ بلانشيه هنا أنه على الرغم من ذلك، فإن(ديكارت) هذا كان هو نفسه يجعل العلم تابعاً للميتافيزياء مثلما تتغذى الشجرة بجذورها، واليوم أيضاً، يرجع إلى العلم ذاته أن يقول هل تعترف بسمة علمية تسم أبحاث التخاطر، أو حتى مجرد الفراسة أو قراءة الخطوط لاستشفاف سجية أصحابها. بل وكذلك حال المباحث التي يجمعها عنوان(العلوم المعيارية" ولكن، بالمقابل، ليس من باب المسألة العلمية أن نطلب معرفة هل توجد إمكانات معرفية خارج العلم أم لا توجد. فمثل هذا السؤال يرجع إلى نظرية عامة عن المعرفة، يكون أحد أغراضها الأساسية هو، بوجه الدقة، تحديد وضع المعرفة العلمية بين أشكال أخرى يمكن تصورها عن المعرفة. ترى هل توجد طرائق معرفية تمنح من دروب أخرى غير دروب العلم أم لا توجد؟. فقد قال فريق من الباحثين بوجود ملكات غير فكرية، أو فكرية جزئياً، كالقلب"ذي الأسباب التي لا يعرفها العقل"، أو الحدس بوصفه"غريزة ينيرها الذكاء": وهذا ما يسوّغ صحة معرفة صوفية أو ميتافيزيائية. ويقترح آخرون توجيه ملكاتنا الفكرية ذاتها في منحى آخر، شطر"حدس الذوات"، ونؤسس إذ ذاك علماً ظواهرياً فيما وراء العلم بالوقائع. بل إننا، حتى لو قابلنا مثل هذه المزاعم بالرفض، فإننا إنما ننخرط بذلك في أفق فلسفة ما عن المعرفة.

إن التفريق النظري بين الإبستمولوجياوبين نظرية المعرفة ضروري مع الاعتراف حقاً بأن هذا التمييز لا يُراعي في الواقع على الدوام، وذلك أولاً لأسباب تتصل بالمفردات وحدها. ففقدان اسم بسيط يمكن أن يُشتق منه نعت وظرف[14] يجعل من اليسير الاستعاضة عن عبارة"نظرية المعرفة" بكلمة أيسر هي كلمة"الإبستمولوجيا".

وقد حاول المعنيون تدارك هذا المحذور بنحت كلمة(علم المعرفة) GNOSELOGIE. ولكن هذه الكلمة لا تكاد تستند إلى جذر وربما استعلمت في اللغة الإيطالية أحياناً، و لكن يبقى استعمالها أمراً نادراً في اللغتين الفرنسية والإنكليزية وهي تكاد أن تكون غائبة في اللغة الألمانية اللهم إلا في شكلها المدرسي في لفظي EKENNTNITHEORIE أو ERKENNTNISLEHRE.

ولكن ( جان بياجه)،مثلاً، يعدّ"الإبستمولوجيا" و"نظرية المعرفة" أمرين مترادفين. ذلك أن العلم والفكر العلمي، إنما ينشئ أحدهما الآخر بالتدريج ودون أن يبلغا حال الإنجاز في تطور المجتمعات وفي نمو الفرد سواء بسواء. وإذ ذلك تكون كل إبستمولوجيا تكوينيةً، سواء تناول الأمر تاريخ العلوم أو علم نفس الطفل،وهي تتسع بالضرورة لنظرية المعرفة، ما دامت تتوخى اجتياز جميع المراحل التي نبلغ بها ما نعدّه اليوم معرفة علمية – أي أن ننظر إلى المعرفة في أشكال يمكن أن نحكم بأشكال سابقة للعمل، والتي لا نستطيع، بالرغم من ذلك، أن نمنع عنها أية قيمة علمية ما دام وجودها قد هيأ لضروب التقدم اللاحقة.

 زد على ذلك أن مجرد توحيد الإبستمولوجيابنظرية المعرفة، وإن كان اليوم لا يكاد يتسق مع الممارسة، فإنه لم يزل ناشطاً لدى كثير من المؤلفين الذين يقرونه دون مناقشة كما لو أنه أمر بديهي. من ذلك المقالة الطويلة في"موسوعة الفلسفة"(1967)  الفرنسية، الخاصة بالإبستمولوجيا، وقد ورد فيها التعريف الآتي:"إن الإبستمولوجياأو نظرية المعرفة هي فرع من الفلسفة يعنى بالطبيعة، وبمدى المعرفة، وبمقولاتها التمهيدية، وبأسسها، وبالثقة الممنوحة لها". ويلي ذلك عرض تاريخي طويل يمتد من العصر القديم اليوناني إلى"فلاسفة اللغة العادية" مروراً على الأخص بالقديس(توما) وبـ(سبينوزا) و(شوبنهور). وقد عرفت"الموسوعة البريطانية" Britanica[15] الإبستمولوجيا بألفاظ شبه مماثلة:"إنها فرع الفلسفة المعني بمشكلات الطبيعة وحدود المعرفة والاعتقاد وصحتهما". أما"الموسوعة الإيطالية" فقد اكتفت في كلمة" الإبستمولوجيا" بالإحالة على كلمةGNESOLOGIE. ولنلاحظ، على العكس، أن"موسوعة  يونيفرساليس"(1970) تقف في أقصى الطرف المقابل وترفض الاعتراف بأي رباط يصل الإبستمولوجيابالفلسفة.!

الإبستمولوجياوفلسفة العلوم:

يرى بلانشيه أن من شأن التمييز الدقيق أن يزداد عسراً بين الإبستمولوجياوفلسفة العلوم، وذلك من جراء مرونة هذه العبارة الأخيرة.

فثمة من يعترض على السمة الفلسفية للمبحث الابستمولوجي ويرى أن المهمة لأولى للإبستمولوجيا تمثل في تعيين معيارقبلي لكل معرفة علمية.

 فإذا نظرنا إلى فلسفة العلوم بالمعنى الأوسع وجدنا أن  الإبستمولوجيافصلاً من فصولها، أو طرازاً من طرز ممارستها. وعلى هذا النحو صاحبا كتاب "قراءات في فلسفة العلوم" بتمييز أربع وجوه  مختلفة لفلسفة العلم[16]:

·        دارسة علاقاته بالعالم وبالمجتمع.

·        السعي لوضع العلم داخل  مجموعة  القيم الإنسانية.

·        المحاولات الفكرية التي تنطلق من نتائج العلم وتجاوزها لبلوغ ما يمكن  تسميته فلسفة الطبيعة.

·        التحليل المنطقي للغة العلم.

 وقد أعلن فايغل و برودك أنهما يتمسكان بهذه الدلالة الأخيرة؛  وهي وحدها التي يمكن أن تتسق مع ما تشير إليه كلمة الإبستمولوجيا.

ويمضي بعض الإيبستمولوجيين  إلى أبعد فيقطعون الجسور بين المفهومين، وكأنهم يسعون إلى صون الإبستمولوجيا، كمصطلح جديد من  فساد يصيبها  من الفلسفة!، الأمر الذي يُقا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كيف تفكر الأنثى : المعرفة في نموذجها الأنثوي

كتبها الدكتور عماد فوزي شعيبي ، في 19 شباط 2007 الساعة: 16:34 م

               المعرفة العلمية  في نموذجها الأنثوي

"أنثوية المعرفة"أو الإبستمولوجية الأنثوية

هل هنالك من مشروعية لتناول موضوع المعرفة من زاوية الفصل بين الجنسين؟. هذا السؤال لم يعد مشروعاً فحسب، إذ أنه يتم التعامل معه على أنه موضوع للبحث في سياق الفروق بين الجنسين في علم النفس؛ وهو يتجاوز الحركة النسوية (Feminism) التي تعني تأكيد المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق مستخدمة الداعي السابق لإلغاء الفوارق النوعية في المعرفة  بين الجنسين. وكذلك فهو يتجاوز النسوية الجديدة (نسوية ما بعد الحداثة) التي تميزت بنقد الانفراد العقلاني للذكر (Pallogocentrism) ورفض مركزيته التي جاءت تتمة للنزعة المركزية الأوروبية،كما تتجاوز الجنوسة (Gender)  أو النوع الجنسي الذي لا يعني الفوارق الجنسية البيولوجية فحسب، بل يضيف إليها مجمل الأوضاع والخبرات والأدوار الاجتماعية التي تجعل الرجل رجلا والمرأة إمرأة.

على هذا الأساس من التمايز نشأت في الغرب نزعة فلسفية دُعيت بفلسفة العلم الأنثوية تحاول أن تبرز القيمة الأنثوية في المعرفة.

تعرّف موسوعة جامعة ستانفورد الإبستمولوجية الأنثوية بأنها الإبستمولوجية التي تدرس الكيفية التي بموجبها يمارس النوع الجنسي تأثيره على الإدراك المعرفي،كذات معرفية والممارسة التي بموجبها يتم الحصول على المعرفة وضبطها. فهي تعين هوية الطرق التي تسيطر على الإدراك وممارسات كل من الإسناد (الحَمْل) (attribution) المعرفي والاستحواذ على المعرفة وميزة الضبط الأنثوي المنتظمية (Systematically)  والسعي لتحديث تلك الإدراكات والممارسات.[1] وهذا التوجه الإبستمولوجي يسعى أيضاً إلى البرهنة على أن المتغيرات المعرفية وفقاً للنوع الجنسي ليست مجرد ميزة إجتماعية.[2] كما أن المفهوم المركزي للإبستمولوجية الإنثوية  يبرهن على أن المعرفة تعكس الأفاق الخاصة للذات العارفة، ويمفصل ثلاثة مقاربات رئيسة للفكرة الأخيرة متمثلة بـ: نظرية نقطة الاستشراف(Standpoint) الإنثوية، ومابعد الحداثة الأنثوية والإمبيريقة (الاختبارية) الأنثوية.

  وعلى هذا النحو تنتج الإبستمولوجية الأنثوية مفاهيمها اللازمة لتعيين أدواتها المعرفية على النحو التالي:

·        العارف المتموضع [3](Situated Knower):

تعتقد الإبستمولوجية الأنثوية أن العارف يتموضع في علاقات خاصة بموضوع المعرفة وبالطريقة التي يُعرف بها؛ أي  كيف يمكن للبشر أن يفهموا موضوعا ما بطرق مختلفة ويعكسون العلاقات الغريزية في ذلك،وتجسيد ذلك يتمثل في أن البشر يختبرون العالم باستخدام أجسادهم بقَوامات مختلفة وبتموضع مختلف في المكان والزمان،فمن يقف أمام موضوع معرفته تكون معلوماته مختلفة عن تلك التي لدى مراقب من علٍ.

وترى الإبستمولوجية الأنثوية أن البشر يجنون معارفهم عبر أول وصول(Access)شخصي عبر جسدهم وحالاتهم  العقلية  وذلك بشكل مباشر، لكن " ثالث شخص"(third-person) ، والمقصود به من هو خارج الوضعية ،يمكنه أن يرى جميع المعارف من جميع الأوجه؛ حيث أنه وبعيدا عن الوضعيات سرعان ما يصل إلى جميع الوجوه بتفسير كل من الأعراض الخارجية، والإسقاطات التخيلية ، أو بالحصول على بيّناتهم.هذا النوع (الغريزي) من المعرفة الاستدلالية له نفس المحتوى ولكنه لا يستخدم الدلات والبينات السياقية نفسها.

فالأشخاص الذين يمتلكون معرفة عن ذواتهم De Soi يتم التعبير عنها على شكل "أنا هنا، الآن"، وهي غريزة في الشخصية وفي الدور الاستدلالي من المعرفة الافتراضية التي لها نفس المحتوى ولكنها لا تستخدم نفس الدلالات.

  فكما أن الانفعالات والمواقف والمصالح تظهر واضحة الاختلاف بين الجنسين ، حيث أن البشر يتمثلون الموضوعات في علاقاتها ما سبق ، فإنهم يحصّلون معارف مختلفة بفضيلة اختلاف علاقاتهم الشخصية بها. ومثل هذه المعرفة غالباً ما تكون ضمنية ومفصّلة بطريقة غير تامة وحدسية ، لأن للبشر تفسيراتها المختلفة تجاه بعضها البعض. إن للبشر أنماطاً مختلفة من الاستقصاء والتثمل بالاستناد إلى خلفية معتقداتهم  ورؤاهم للعالم[4]. وعليه فإن المعرفة المتموضعة تعتبر أن الناس يفهمون نفس الموضوع بطرق مختلفة بما يعكس العلاقات الغريزية التي لا يتخلون عنها.[5]

فلدى البشر معارف مختلفة بعضاً عن بعض استناداً إلى اختلاف علاقاتهم ومثل هذه المعرفة غالبا ما تكون ضمنية ومتمفصلة بطريقة غير تامة وحدسية ، كما أن المعرفة العملية تجعل أن كلا منهم لديه مهاراته التي يمكن أن تصبح كمنبع للمعارف الافتراضية المختلفة ،يضاف إلى ذلك أن لدى البشر أنماطاً مختلفة في الاستقصاء والتمثّل ، فالرواة والمحاورون والطلاب والأساتذة… كلٌ له وصول مختلف إلى المعرفة،لأنه لكل منهم تموضعه مما يحدد وصولهم إليها.وكذلك يمكن أن تكون هذه المعتقدات إيديولوجية إلى الحد الذي يولّد استحواذا مختلفاً على المعرفة.

 كما يكون لدى العارفين معتقدات شخصية مختلفة عن موضوع ما؛كاليقين والشك والدوغمائية "المعتقدية" والانفتاح على المراجعة،وهي الأوزان النسبية للقيم الإبستمولوجية التي يحملونها وتتفاعل مع القدرات التنبؤية والسلطة المعرفية والمرجعيات التي يستندون إليها، كما أن العلاقات مع مستحوذين آخرين على المعرفة تؤثر في العارف بموضعيته.

كذا فإن المركز الاجتماعي للعارف يؤثر بماذا وكيف يعرف، وهو ما يتصل بالإبستمولوجيا الاجتماعية؛ حيث أن المواقع الاجتماعية الفردية تتألف من الهوية الاجتماعية المنسوبة للعارف من حيث (الجنس  والسلالة  والتوجيه الجنسي والعرق والطائفة ووضعيات القرابة …الخ .)، كما تتألف من العلاقات (كالمهنة وعضوية الحزب السياسي …) مما يمنح قدرات متأتية عن أدوار اجتماعية مختلفة وواجبات وأهداف لأدوار معطاة ومصالح مختلفة وعادات ومشاعر ومهارات يعتقدون أنها ملائمة لهذه الأدوار ما تجعلهم يكتسبون هويات ذاتية مختلفة معرفياً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

·      مدخل إلى الجانب الأنثوي في المعرفة:

لعلنا نستطيع أن نعزو إلى يونغ[6] عالم النفس الشهير البدايات المنهجية لهذا التقسيم بين عقليتين أحدهما ذكرية ودعاها بالروح  الذكرية (Animus)  والثانية أنثوية ودعاها بالروح الأنثوية (Anima).وهو ما حدا بالباحثين لاحقاً إلى ربط ذلك بالجانب البيولوجي؛ حيث أن النصف الأيسر من الدماغ المسؤول عن الجانب المنطقي قد ربط بالروح الذكرية والنصف الأيمن من الدماغ هو المسؤول عن الجانب الإنثوي.وهنا يتضح الأمر من خلال ما يلي:[7]

"لا بد أن نذكر المكتَشَف الحديث في فسيولوجيا المخ: نعني التمييز الذي اهتدى إليه ر.دابليو.سبيري، بالقول إننا ننقسم بالفعل إلى شخصين يعيشان داخل رؤوسنا، في النصفين الكرويين الأيمن والأيسر من المخ. وقد كنّا نعرف منذ زمن طويل أن النصف الكروي الأيسر من المخ يهيمن على اللغة، على حين أن الأيمن يختص بالتعرف (أو التمييز). وكذلك يتعلق النصف الأيسر بالمنطق والتعقل، بينما يختص الأيمن بالتذوق كالاستمتاع الفني .

ويرتبط نصفا المخ فيما بينهما بمعبر من الألياف العصبية، فإذا استُؤصِلَ هذا المعبر، فإن كلا منهما يستمر في العمل منفصلاً عن الآخر. وهكذا، إذا عُرضت تفاحة على النصف الأيسر من المخ (الذي يرتبط في الواقع بالعين اليمنى)، وإذا عُرضت برتقالة على النصف الأيمن أي على العين اليسرى، وسُئلت ماذا شاهدت لتوِّك فستجيب: تفاحة. ولكن إذا طلب منك أن تكتب بيدك اليسرى ما شاهدته في التو واللحظة، فإنك ستكتب: برتقالة. وإذا سئلت ماذا كتبت من فورك، فستجيب: تفاحة. ومعنى هذا أن كل نصفٍ من نصفي المخ لا يعلم ما يفكر فيه الآخر، عند قطع خطوط الاتصال.

غير أن النتائج الناشئة عن هذه التجربة والتي لها أهم الدلالة هي أن الكائن الذي تسمّيه «أنت» ـ أي ذاتك ـ  يستقر في النصف الأيسر من دماغك. وهناك «أنت» أخرى على بعد بوصات قلائل، في النصف الأيمن: ولكنها صامتة.

فعندما أجري عملية حسابية على الورق، فإنني أستخدم نصف مخي الأيسر، مع قسط معين من المعونة التي يقدمها النصف الأيمن من حين إلى آخر، عن طريق الاستبصارات المفاجئة.

إن هذه ـ إجمالاً ـ هي الطريقة التي يعمل بها المخ البشري: فالنصف الأيسر هو «الإنسان الأمامي»؛ الأنا التي تتعامل مع العالم. والنصف الأيمن عليه أن يعبِّر عن نفسه عن طريق النصف الأيسر. ومجمل الأمر، أن النصف الأيمن يجد بطئاً شديداً في أداء وظيفته، ذلك أن النصف الأيسر في عجلة دائماً من أمره، ولا يكف أبداً عن معالجة المشكلات، ويميل إلى معاملة النصف الأيمن في شيء من نفاد الصبر. وهذا هو السبب في أن الإنسان المتحضر يبدو أنه لا يملك من فعّالية النصف الأيمن إلاّ  أقلها.

ويبدو من المحتمل أن نوابغ الحساب لم يقعوا بعد ضحية لسيطرة النصف الأيسر الآسرة. فهم يبصرون الجواب عن مشكلة ما، وينقلونها فوراً، دون أن يعوقهم الشريط الأحمر المألوف للبيروقراطي الذي يقيم في النصف الأيسر من المخ.

 وينبغي أن نؤكد أن هذه هي المشكلة الحقيقية للإنسان المتحضر. فنحن قد تطورنا إلى مستوانا الحاضر من خلال استخدام اللغة والمفاهيم. ونحن نستخدم هذه باستمرار إلى درجة أننا «توحَّدنا» مع النصف الأيسر من المخ. ولكننّا نرى أن في هذا ضرراً حقيقياً، لأن «الشخصية» ليست بمعنى ما، هي الشطر اللغوي فينا فقط؛ إنها كليّتنا، لكنّ الحياة المعاصرة تطالبنا بأن نكون خارجيين فقط؛ أي نبدي غير ما نخفي. وتنشأ المشكلة من موقف الأنا من اللاأنا الذي يعيش في النصف الأيمن من المخ، الذي نميل إلى معاملته بوصفه شخصاً أبله، وأخاً أصغر ليس له حظ من التألق، بل إننا نتجاهله دائماً ونطلب منه الصمت. فإذا تحملنا مشقة الإصغاء إليه، منعنا منه الكثير، وذلك تحت هاجس القبض على القانون بكلتا أيدينا.

ومن الأمور  الدالة، أن المخ الأيسر لديه إحساس قوي بالزمان، على حين أن الأيمن لا يملك شيئاً من هذا الإحساس ـ وليس معنى هذا أن النصف الأيمن يفتقر إلى القدرة على حساب الزمان ـ بل على العكس أنك حين تقول لنفسك إنه ينبغي عليك أن تصحو في الساعة السادسة بالضبط، وتفتح عينيك والساعة تدق السادسة، فهذا من عمل النصف الأيمن. إذ أن الأمر بالنسبة له كتلقٍ للزمن من النصف الأيسر وتخزينه لحين قدومه غير المحدد في قياسه الزّمني[8].

فالمخ الأيسر يتعامل مع سطوح الأشياء، مع الأشكال، والمخ الأيمن يتعامل مع البصائر، ومع مايتوارى تحت السطح.

إن المخ الأيسر وسيلة لتوفير الجهد، ولتوفير الطاقة. فيما ينتج المخ الأيمن الإحساس المتوهج العجيب بالواقع حين يكون مفعماً بالطاقة، ولعل ذلك يتأتى لك في صباح يوم من أيام الربيع، حين تكون مرهقاً يتولي المخ الأيسر العمل. والكد الذهني المستمر يمكن أن يولَّد الحالة التي سماها سارتر «الغثيان»، وهذا ما يُفسّر الآن باعتباره الحالة التي يستعرض فيها المخ الأيسر العالم، مع افتقاره لكل رؤية عن معناه، وهنا يكون المخ الأيمن قد تخلى عن مهمته: فيبدو الواقع فجَّاً، خالياً من المعنى.

وهنا نصل من الجدل إلى شطره الأصعب الذي يتأبى على الإدراك. فالمخ الأيمن هو الذي يعرض على المخ الأيسر «الفورية»، أي ما يحدث هنا والآن. والمخ الأيسر «يتفحص بدقة» العالم، أما الأيمن فيضفي المعنى والقيمة. وعيناك اللتان تفحصان الآن هذه الكلمات، تخبرانك فعلاً بأكاذيب. ذلك أنهما تعرضان عليك عالماً لا واقعياً أساساً بوصفه الواقع الوحيد. أقول «هذا واقعي»، وأنا أدق على المائدة بمفاصل أصابعي، غير أن مفاصل أصابعي ليست إلا «فاحصات» أخرى، مثل عينيّ".

وقد بلغ الأمر بالإبستمولوجي الفرنسي غاستون باشلار إلى الذهاب نحو اعتبار أن الجانب الأنثوي مسؤول عن الجانب الحُلُميّ الجميل فينا،حيث يحاول غاستون (باشلار)جاهداً أن يؤكّد لنا صلة حُلم اليقظة بالروح المؤنثة كي يكون الخيال الشعريّ خلاّقاً وعميقاً وجميلاً وخالياً من هموم الحياة، بل تحقيقاً أمثل للسعادة، بينما نراه يؤكد على ذكورة الأحلام والمنامات، (وهما مفردتان مذكرتان في اللغة الفرنسية).وهو مرجع حلم اليقظة الإبداعي وهو ـ عنده ـ «ظاهرة روحانيّة طبيعية جداً ومفيدة جداً للتوازن النفسيّ، ويجب أن لا نعامله على أنه انحراف للحلم، وأن لا يُوضع من غير مناقشة في مصاف الظواهر الحلميّة حيث أن تدخّل الوعي في حلم اليقظة يحمل علامة حاسمة »[9].  ويحدّد  (باشلار) حلم اليقظة على أنه تقوية ذاكرة الخيال[10]، هذه الذاكرة المستقرّة على شكل نمط أصلي أو عريق  مستقرٍ وثابتٍ تحت ذاكرة، وعندما نستطيع أن نوقظ نمط الطفولة الأصلي، تستأنف جميع الأنماط الأصلية العريقة والكبيرة انتعاشها، لتقوم القوى الأبوية والأمومية بعملهما، فيفلت منهما الزمن ويعيش كلاهما، فينا، في زمن آخر[11]«فهنالك سلخٌ للزمن     DÉTEMPORALISATION)) في حلم اليقظة. وهنا يمكننا معرفة حالاتٍ تكون أنطولوجياً تحت الكينونة أو الوجود (ÊTRE) وفوق العدم  (NÈANT ). وفي هذه الحالات يخف تناقض الوجود واللاوجود ويحاول الوجود الأقل أن يكون … وجوداً »[12]، وهنا يحرّرنا حلم اليقظة في ما هيته الخاصة من وظيفة الواقعيّ؛ «فما إن نتأمله في بساطته حتى نرى تماماً أنه شاهدٌ على وظيفة الواقعيّ وهي وظيفة مُفيدة تحفظ النفس الإنسانيّة على هامش جميع فظاظات اللا أنا العدوانية»[13].

فعندما يكون حلم اليقظة عميقاً حقاً، فإن الكائن الذي يأتي ليحلم فينا هو روحنا المؤنّثة[14]، رغم أنه  ـ لتوِّه ـ قد أكد لنا أننا نحن الذين نحلم في حلم اليقظة. وهكذا فإن أول تعيّن لروحنا المؤنّثة هي أنها قرينُنُا الذي هو منّا، ولا انفصال له عنّا. لكن حلم اليقظة  يحتاج لكي يبرز كروح مؤنّثة  أن يترافق بالتوحد (SOLITUDE) وفق معادلة نستقيها كما تُستقى المعادلات الكيمائية ونقترح استخراج مثل هذه المعادلات في تفكيك ما جاء مكثفاً فيما سبق،لتكوُّن روحٍ.

على النحو التالي:

روح مؤّنثة +  توحّد  ¬ حلم  يقظة  شاعريّ

ولكن هذا سيكون شرطاً لحلم يقظة شاعريّ، إلا أن الشرط الأهم حلم يقظة مثالي هو توافر الروحين معاً. ففي حلم اليقظة المتوحد نعرف أنفسنا ( في المذكّر والمؤنث معاً ) ويقوم حلم اليقظة ( هنا بالذات) بجعلِ مادته والحالم مثاليّين في وقت واحد.

وعندما يحيا حلم اليقظة في ثنائية المذكر والمؤنث تكون المثَلْنَة[15] (IDÉALISATION) عيانيّه ومن غير حدود. فكيْ أعرف نفسي معرفة مزدوجة ككائن واقعيّ ومُمَثْلَن، يلزمني أن أصغي إلى أحلام يقظتي وكي أفهم وجوديّة حلم اليقظة فهماً أفضل، يجب أن أطبق جميع الدروس التي تعلّمتها من علم نفس الأعماق حيث أنّ المثلنة القصوى يجب أن تتوِّجَ علم نفس تام[16]، وهنا فإن (باشلار) يؤكد كما اعتاد دائماً على أنّ علم النفس الذي بين أيدينا ناقص. ونخطط ما سبق على النحو التالي:

روح مذكرة وروح مؤنثة + توحّد + حلم يقظة¬ المثلنة

ويوضّح (باشلار) " أنّ حلم اليقظة، في حالته الأبسط والأنقى، ينتمي إلى الروح المؤنثة، وتأكيداً فإنّ كل تمثيل مبسّط  يوشك أن يبتر الواقع.

فلنقل إذاً: إننا نرى، إجمالاً، أنّ الحلم يتعلّق بالروح المذكّرة، وأن الحلم اليقظ يتعلّق بالروح المؤنثة، وأن حلم اليقظة يمنحنا الراحة الحقيقية؛ راحة المؤنّث، وفيها نكسب رفاهية العيش؛ رفاهيّه تمهّلٍ وسلامٍ. ففي حلم اليقظة يمكننا أن نجد العناصر الأساسية لفلسفة الراحة"[17]. ونستطيع أن نلخص ما سبق على النحو التالي:

روح مذكّرة + نوم ¬ حلم

لكّن اجتماع الروحين المذكّرة والمؤنّثة في حلم اليقظة(أي في الإبداع الإنساني وهو يوازي استخدام نصفي الدماغ الأيمن والأيسر) سوف يجعل الكائن مثالياً، وهو اجتماع لا يفضي بالضرورة إلى (حلم + حلم يقظة )، وهنا الاستثناء هو الذي يجعل (باشلار) يرى في حلم اليقظة المُصاغ بالروحين المذكّرة والمؤنثة ضرباً من مثاليّه، ويؤكد في آخر كلماته  الواردة في كتاب « شاعرية أحلام اليقظة »، أنه لكي لا يُقال أن الروح المؤنثّة هي كينونة كل حياتنا، فإنه يود أن يصوغ كتاباً آخر يكتبه هذه المرة قلمٌ مذكّر؛ أي قلمُ روحٍ مذكرة، لكن الحياة لم تسعف الفيلسوف، فمات بعد كتابه هذا بسنة واحدة (1962)، وبقي  بالنسبة لنا نحن الباحثين أن ضرباً من الالتباس قائم بين الروح المذكرة والروح المؤنثة في صياغة حلم اليقظة، إذ برغم أن (باشلار) أفاض في تحليل قدرة الروح المؤنّثة على صياغة حلم يقظة شاعري، وأشار إلى أن اجتماع الروحين يعطي كائناً مثالياً، وحذّرنا من أن الروح المذكّرة ترتبط بالحلم، فإن دور حلم اليقظة بالروح المذكّرة قد بقي سجين رفات الرجل…

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفروق بين الجنسين على المستوى المعرفي بيولوجياً [18]

هناك أبحاث كثيرة تتناول موضوع الفروق بين الجنسين، وهي في بعضها تذهب إلى اعتبار أن هذه الفروق بيولوجية[19]، وأن تفاوت القدرات المعرفية بين الجنسين يعكس الاختلاف في التأثيرات الهرمونية في شكل الدماغ ونموه , وهذه هي النتيجة التي انتهت إليها ( كيمورا ) الباحثة في الأسس العصبية والهارمونية للوظائف الفكرية الذهنية للإنسان، في قسم العلوم العصبية السريرية في جامعة كيربي في كندا ؛ حيث تعتبر أن الفوارق بين النساء والرجال لا تقتصر على السمات الجسمية والوظيفية والتناس

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb